وقوله " وما يدريك " يا محمد ولا غيرك " لعل الساعة قريب " إنما قال
( قريب ) مع تأنيث الساعة ، لان تأنيثها ليس بحقيقي . وقيل : التقدير لعل مجيئها
قريب . وإنما اخفى الله تعالى الساعة ووقت مجيئها عن العباد ، ليكونوا على خوف
ويبادروا بالتوبة ، ولو عرفهم عنها لكانوا مغريين بالقبيح قبل ذلك تعويلا على
التأني بالتوبة .
وقوله " يستعجل بها " يعني بالساعة " الذين لا يؤمنون بها " أي لا يقرون بها
ولا يصدقون لجهلهم بما عليهم في مجيئها من استحقاق العقاب وما للمؤمنين من
الثواب . وقال " والذين آمنوا " أي صدقوا بها " مشفقون منها " أي خائفون
من مجيئها لعلمهم بما فيها من استحقاق العقاب والأهوال فيحذرونها " ويعلمون
انها الحق " أي ويعلمون ان مجيئها الحق الذي لا خلاف فيه . ثم قال تعالى ألا
إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد أي يجادلون في مجيئها على وجه
الانكار لها لفي ضلال عن الصواب وعدول عن الحق بعيد .
ثم قال تعالى " الله لطيف بعباده " فلطفه بعباده إيصاله المنافع إليهم من
وجه يدق على كل عاقل إدراكه ، وذلك في الأرزاق التي قسمها الله لعباده وصرف
الآفات عنهم ، وإيصال السرور إليهم والملاذ ، وتمكينهم بالقدرة والآلات إلى غير
ذلك من ألطافه التي لا تدرك على حقيقتها ولا يوقف على كنهها لغموضها . ثم
قال تعالى " يرزق من يشاء وهو القوي " يعني القادر الذي لا يعجزه شئ " العزيز "
الذي لا يغالب .
وقوله " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه " قيل : معناه إنا نعطيه
بالحسنة عشرا إلى ما شئنا من الزيادة " ومن كان يريد حرث الدنيا " أي من
عمل الدنيا " نؤته " أي نعطيه نصيبه " منها " من الدنيا لا جميع ما يريده بل على
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 155
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٥٥