ومثله " منهم من كلم الله " ( 1 ) يريد كلمه الله ، وكقوله " أهذا الذي بعث
الله رسولا " ( 2 ) يريد بعثه الله .
يقول الله تعالى منبها للكفار على وجه الاستدلال على وحدانيته بأن يقول
" ألم يروا " ومعناه ألم يعلم هؤلاء الكفار " كم أهلكنا قبلهم من القرون " فمعنى
( كم ) ههنا للتكثير ، ويفسرها ( من القرون ) وتقديره ألم يروا كم قرنا أهلكنا
قبلهم من القرون ، وموضع ( كم ) نصب ب ( يروا ) - في قول الكوفيين ، وعند
البصريين ب ( أهلكنا ) على تقدير القرون أهلكنا أو أكثر " انهم إليهم
لا يرجعون " ونصب ( انهم ) لأنه مفعول ( ألم يروا ) وكسره الحسن على وجه
الاستئناف ، ووجه الاحتجاج بذلك هو انه قيل لهم : انظروا لم لا يرجعون
فإنكم تجدون ذلك في قبضة مالكهم يردهم في الآخرة إذا شاء ردهم ، لأنه
لا يخلو اهلاكهم اما بالاتفاق من غير إضافة أو بالطبيعة أو بحي قادر ، ولو كان
بالاتفاق أو بالطبيعة لم يمتنع ان يرجعوا إلى الدنيا ، فإذا بطل ذلك ، ثبت أن
إهلاكهم بحي قادر إذا شاء ردهم وإذا شاء لم يردهم . ووجه التذكر بكثرة
المهلكين أي انكم ستصيرون إلى مثل حالهم ، فانظروا لأنفسكم واحذروا أن
يأتيكم الا هلاك ، وأنتم في غفلة عما يراد بكم .
والقرون جمع ( قرن ) وأهل كل عصر يسمى قرنا ، لاقترانهم في الوجود
والقرن - بكسر القاف - هو المقاوم في الحرب ، ومنه قرن الشاة لمقارنته القرن
الآخر ، وكذلك كل ذي قرنين . وقال قتادة " انهم إليهم لا يرجعون " عاد
وثمود ، وقرون بين ذلك كثيرة . ثم قال وهؤلاء الذين لا يرجعون كلهم
" لدينا محضرون " يوم القيامة يحضرهم الله ويبعثهم ليجازيهم على اعمالهم .
هامش
( 1 ) سورة 2 البقرة آية 253
( 2 ) سورة 25 الفرقان آية 41