وقوله " وأزلفنا ثم الآخرين " قال ابن عباس وقتادة : معناه قربنا إلى
البحر فرعون ، ومنه قوله " وأزلفت الجنة للمتقين " ( 1 ) أي قربت وأدنيت
قال العجاج :
ناج طواه الأين مما وجفا * طي الليالي زلفا فزلفا
سمارة الهلال حتى احقوقفا ( 2 )
أي منزله يقرب من منزله ، ومنه قيل ليلة المزدلفة . وقال أبو عبيدة :
معنى أزلفنا جمعنا ، وليلة مزدلفة ليلة جمع ، والمعنى قربنا قوم فرعون إلى البحر
كما يسرنا لبني إسرائيل سلوك البحر وكان ذلك سبب قربهم منهم حتى اقتحموه
وقيل : معناه قربناهم إلى المنية لمجئ وقت هلاكهم قال الشاعر :
وكل يوم مضئ أو ليلة سلفت * فيها النفوس إلى الآجال تزدلف ( 3 )
وأنجينا موسى ومن معه يعني بني إسرائيل أنجيناهم جميعهم من الهلاك
والغرق " ثم أغرقنا الباقين " من فرعون وأصحابه . وقال تعالى " إن في ذلك "
يعني في فلق البحر فرقا ، وانجاء موسى من البحر ، وإغراق قوم فرعون ، لدلالة
واضحة على توحيد الله وصفاته التي لا يشاركه فيها أحد .
ثم اخبر تعالى ان " أكثرهم لا يؤمنون " ولا يستدلون به بسوء اختيارهم
كما يسبق في علمه . فالاخر - بفتح الخاء - الثاني من اثنين قسيم ( أحد ) كقولك
نجا الله أحدهما ، وغرق الآخر ، والآخر - بكسر الخاء - هو الثاني قسيم
الأول كقولك نجا الأول وهلك الآخر . وقيل : معنى " وما كان أكثرهم
مؤمنين " ان الناس مع هذا البرهان الظاهر ، والسلطان القاهر ، بالامر المعجز
هامش
( 1 ) سورة 26 الشعراء آية 90
( 2 ) مر تخريجه في 6 / 79
( 3 ) تفسير القرطبي 13 / 107