اقسم الله تعالى بأنه يعلم الذين يؤمنون بالله على الحقيقة ظاهرا وباطنا
فيجازيهم على ذلك بثواب الجنة ، وذلك ترغيب لهم " وليعلمن المنافقين "
فيه تهديد للمنافقين مما هو معلوم من حالهم التي يستترون بها ويتوهمون انهم
نجوا من ضررها ، باخفائها ، وهي ظاهرة عند من يملك الجزاء عليها ، وتلك
الفضيحة العظمى بها .
ثم حكى تعالى أن الذين كفروا نعم الله وجحدوها يقولون للذين آمنوا
بتوحيده وصدق أنبيائه " اتبعوا سبيلنا ولنحمل " نحن " خطاياكم " أي
نحمل ما تستحقون عليها من العقاب يوم القيامة عنكم هزؤا بهم واشعارا بأن
هذا لا حقيقة له ، فالمأمور بهذا الكلام هو المتكلم به أمر نفسه في مخرج اللفظ
ومعناه يضمن إلزام النفس هذا المعنى ، كما يلزم بالامر ، قال الشاعر :
فقلت ادعي وادع فان أندى * لصوت أن ينادي داعيان ( 1 )
معناه ولادع . وفيه معنى الجزاء وتقديره ان تتبعوا ديننا حملنا خطاياكم .
ثم نفى تعالى أن يكونوا هم الحاملين لخطاياهم من شئ ، وانهم يكذبون في هذا
القول ، لان الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، فلا يصح إذا أن يتحمل
أحد ذنب غيره ، كما قال تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى . وأن ليس
للانسان إلا ما سعى " ( 2 ) وليس ذلك بمنزلة تحمل الدية عن غيره ، ولان
الفرض في الدية أداء المال عن نفس المقتول ، فلا فضل بين ان يؤديه زيد عن
نفسه ، وبين ان يؤديه عمرو عنه ، لأنه بمنزلة قضاء الدين .
هامش
( 1 ) شرح ألفية بن مالك 267 وتفسير القرطبي 13 / 334
( 2 ) سورة 6 الانعام آية 164 وسورة 17 الاسرى آية 15 وسورة 35
فاطر آية 18 وسورة 39 الزمر آية 7 وسورة 53 النجم آية 39