وقوله " ولما توجه تلقاء مدين " فالتوجه صرف الوجه إلى جهة من
الجهات ، ويقال : هذا المعنى يتوجه إلى كذا أي هو كالطالب له بصرف وجهه
إليه ، وتلقاء الشئ حذاه ، ويقال : فعل ذلك من تلقاء نفسه أي من حذا
داعي نفسه ، . و ( مدين ) لا ينصرف ، لأنه اسم بلدة معرفة ، قال الشاعر :
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف العقول الغادر ( 1 )
الشعف أعلى الجبل ، والغادر الكبير . وقال ابن عباس : بين مصر ومدين
ثمان ليال ، نحو ما بين الكوفة والبصرة .
وقوله " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " حكاية ما قال موسى في
توجهه ، فإنه قال : عسى أن يدلني ربي على سواء السبيل ، وهو وسط الطريق
المؤدي إلى النجاة ، لان الاخذ يمينا وشمالا يباعد عن طريق الصواب ، ويقرب
منه لزوم الوسط على السنن ، فهذا هو المسعى في الهداية ، وقال الشاعر :
حتى أغيب في سواء الملحد
اي في وسطه ، وقال عطاء : عرضت له أربع طرق لم يدر أيها يسلك ، فقال
ما قال . ثم أخذ طريق مدين حتى ورد على شعيب ، وهو قول عكرمة . ثم حكى
تعالى أن موسى " لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة " يعني جماعة " من الناس
يسقون " بهائمهم ويستسقون الماء من البئر " ووجد من دونهم " يعني دون
الناس " امرأتين تذودان " أي يحبسان غنمهما ويمنعانها من الورود إلى الماء
يقال : ذاذ شاته وإبله عن الشئ يذودها ذودا إذا احبسها عنه بمنعها منه ، قال
سويد بن كراع :
هامش
( 1 ) مر تخريجه في 3 / 601