وقد يكون بمعنى ان يجعله يسير ، وهذا هو معنى تسيير الجبال ، وإنما يسيرها ( الله تعالى ،
ويخبر به ، لما في ذلك من الاعتبار في الدنيا . وقيل يسيرها ) ( 1 ) بأن يجعلها هباء
منبثا ، ومعنى " وترى الأرض بارزة " أي لا شئ يسترها ، يحشر الخلائق حتى
يكونوا كلهم على صعيد واحد ، ويرى بعضهم بعضا ، وكل ذلك من هول يوم
القيامة ، أخبر الله به للاعتبار به والاستعداد بما يخلص من أهواله .
وقوله " وحشرناهم " أي بعثناهم وأحييناهم بعد أن كانوا أمواتا " فلم نغادر
منهم أحدا " أي لم نترك واحدا منهم لا نحشره . والمغادرة الترك ، ومنه الغدر
ترك والوفاء ، ومنه الغدير لترك الماء فيه . وقيل : نغادر نخلف . وقيل : أغدرت
وغادرت واحد .
وقوله " وعرضوا على ربك صفا " قيل معناه انهم يعرضون صفات بعد صف
كالصفوف في الصلاة . وقيل المعنى انهم يعرضون على ربهم لا يخفى منهم أحد
فكأنهم صف واحد . وقيل : انهم يعرضون ، وهم صف ، ويقال لهم " لقد جئتمونا
كما خلقناكم أول مرة " يعني جئتم إلى الموضع الذي لا يملك الامر فيه أحد إلا الله ،
كما خلقناكم أول مرة لا تملكون شيئا . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال ( يحشرون
حفاة عراة عزلا ) فقالت عائشة : أفما يحتشمون يومئذ ، فقال النبي صلى الله عليه وآله ( لكل امرء
منهم يومئذ شأن يغنيه ) ويقال لهم أيضا " بل زعمتم " في دار الدنيا " أن لن نجعل
لكم موعدا " يعني يوم القيامة ، وانكم أنكرتم البعث والنشور .
ثم قال الله تعالى " ووضع الكتاب " يعني الكتب التي فيها أعمالهم مثبتة " فترى
المجرمين مشفقين مما فيه " اي يخافون من وقوع المكروه بهم والاشفاق الخوف
من وقوع المكروه مع تجويز ألا يقع ، وأصله الرقة ، ومنه الشفق : الحمرة الرقيقة التي
هامش
( 1 ) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة