لا يكون إلا في الشر ، والمراد بالوعد - ههنا - الموعود . ومعنى مأتيا مفعولا . ويجوز في مثل
هذا ( آتيا ) و ( مأتيا ) لان ما أتيته ، فقد اتاك وما أتاك فقد أتيته ، كما يقال أتيت
على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة . وقيل معناه إنه كقولك اتيت خير فلان
وأتاني خير فلان .
وقوله " بالغيب " معناه أن الجنة التي وعدهم بها ليست حاضرة عندهم بل
هي غائبة . وقوله " لا يسمعون فيها لغوا " معناه لا يسمعون في تلك الجنة القول الذي
لا معنى له يستفاد ، وهو اللغو . وقد يكون اللغو الهذر من الكلام . واللغو ، واللغا بمعنى
واحد قال الشاعر :
عن اللغا ورفث التكلم ( 1 )
وقوله " إلا سلاما " يعني لكن سلاما وتحية من بعضهم لبعض ، قال أبو عبيدة :
تقديره لا يسمعون فيها لغوا إلا انهم يسمعون سلاما . وقال الزجاج : المعنى لا يسمعون
كلاما يؤثمهم إلا كلاما يسلمهم ، فيكون استثناء منقطعا .
وقوله " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " قيل معناه في مقدار اليوم من أيام
الدنيا ، فذكر ( الغداة والعشي ) ليدل على المقدار ، لأنه ليس في الجنة ليل ، ولا نهار ،
وقيل : إنما ذكر ذلك ، لان أسلم الا كلات اكلة الغداة والعشي ، فهو أسلم من الاكل
دائما أي وقت وجده ، أو تكون اكلته واحدة .
وقوله " تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا " معناه إنما نملك تلك
الجنة من كان تقيا في دار الدنيا بترك المعاصي ، وفعل الطاعات . وإنما قال " نورث " مع أنه
ليس بتمليك نقل من غيرهم إليهم ، لأنه مشبه بالميراث من جهة أنه تمليك بحال
استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا ، كما ينقضي حال الميت من أمر الدنيا .
هامش
( 1 ) مر تخريجه في 2 / 132 ، 164 ، 230