وقوله " إذ انتبذت من أهلها " فالانتباذ اتخاذ الشئ بالقاء غيره عنه ، والأصل
الالقاء من قولهم : نبذه وراء ظهره أي ألقاه ، وفي هذا الطعام نبذ من شعير اي مقدار
كف منه ، والنبذ الطرح . وقال قتادة : معنى انتبذت انفردت . وقيل : معناه اتخذت
مكانا تنفرد فيه بالعبادة . وقيل معناه تباعدت . وقوله " مكانا شرقيا " يعني الموضع
الذي في جهة الشرق ، قال جرير :
هبت جنوبا فذكرى ما ذكرت لكم * عند الصفاة التي شرقي حورانا ( 1 )
وقال السدي : معنى " فاتخذت من دونهم حجابا " أي حجابا من الجدران .
قال ابن عباس : إنما جعلت النصارى قبلتهم إلى المشرق ، لان مريم اتخذت من جهة
المشرق موضع صلاتها . وقال ابن عباس : معنى " من دونهم حجابا " أي من الشمس
جعله الله لها ساترا .
وقوله " فأرسلنا إليها روحنا " قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي ، وابن
جريج ، ووهب بن منية : يعني جبرائيل ( ع ) وسماه الله ( روحا ) لأنه روحاني لا يشبه
شيئا من غير الروح . وخص بهذه الصفة تشريفا له . وقيل لأنه تحيا به الأرواح
بما يؤديه إليهم من أمر الأديان والشرائع .
وقوله " فتمثل لها بشرا سويا " أي تمثل لها جبرائيل في صورة البشر " سويا "
أي معتدلا ، فلما رأته مريم ، " قالت إني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا " تخاف
عقوبة الله .
فان قيل كيف تعوذت منه إن كان تقيا ؟ والتقي لا يحتاج أن تتعوذ منه ، وإنما
يتعوذ من غير التقي ! !
قيل المعنى في ذلك إن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط
هامش
( 1 ) ديوانه ( دار بيروت ) 493 وروايته ( ذكرتكم ) بدل ( ذكرت لكم )