وقوله " ليلا " معناه بعض الليل ، على تقليل وقت الاسراء ، ويقوي ذلك
قراءة حذيفة ، وعبد الله " من الليل " وروت أم هاني بنت أبي طالب : أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان في منزلها ليلة أسري به . وقال الحسن وقتادة : كان في نفس
المسجد الحرام . وروي عن أم هاني أن الحرم كله مسجد . والمسجد الأقصى هو
بيت المقدس ، وهو مسجد سليمان بن داود - في قول الحسن وغيره من المفسرين -
وإنما قيل له : الأقصى ، لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام . وقال الحسن :
صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب في المسجد الحرام . ثم أسري به إلى بيت المقدس في ليلة
ثم رجع ، فصلى الصبح في المسجد الحرام ، فلما اخبر به المشركين كذبوا ذلك ،
وقالوا : يسير مسيرة شهر في ليلة واحدة ؟ ! وجعلوا يسألون عن بيت المقدس
وما رأى في طريقه ، فوصفه لهم شيئا شيئا بما يعرفونه ثم أخبرهم انه رأى في
طريقه قعبا مغطا مملوءا ماء فشرب الماء كله ثم غلطاه كما كان ، ووصف لهم صفة
إبل كانت لهم في طريق الشام تحمل المتاع ، فقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس
يقدمها جمل أورق ، فقعدوا في ذلك اليوم يستقبلونها ، فقال قائل منهم : هذه
والله الشمس قد أشرقت ، ولم تأت وقال آخر هذا والله العير يقدمها جمل اورق ،
كما ذكر محمد ، فكان ذلك معجزة له باهرة ، ودلالة واضحة لولا العناد ، وكان
نفس الاسراء حجة له صلى الله عليه وسلم لا انه يحتاج إلى دلالة كغيره ، ولذلك قال تعالى
" لنريه من آياتنا " فكان الاسراء من جملة الآيات التي تأكد بها يقينه وازدادت به
بصيرته ، لأنه كان قد علم نبوته بما تقدم له من الآيات ، فكان هذا على وجه
التأكيد لذلك .
وعند أصحابنا وأكثر أصحاب التأويل ، وذكره الجبائي أيضا : انه عرج
به في تلك الليلة إلى السماء وأت حتى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة ، واراه
الله من آيات السماوات والأرض ما ازداد به معرفة ويقينا ، وكان ذلك في يقظته
دون منامه ، والذي يشهد به القرآن الاسراء من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى ، والباقي يعلم بالخبر .
وقوله " الذي باركنا حوله " يعني بالثمار ومجاري الأنهار ، وقيل " باركنا "
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 446
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٤٦