قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف " ولكن الله قتلهم . ولكن الله رمى "
بالتخفيف فيهما ورفع اسم الله فيهما . والباقون بتشديد النون ونصب " الله " .
نفى الله أن يكون المؤمنون قتلوا المشركين يوم بدر فقال " فلم تقتلوهم
ولكن الله قتلهم " وإنما نفى القتل عمن هو فعله على الحقيقة ونسبه إلى نفسه
وليس بفعل له من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل ، والمؤدي إليه من
إقداره إياهم ومعونته لهم وتشجيع قلوبهم فيه ، والقاء الرعب في قلوب أعدائهم
المشركين حتى خذلوا وقتلوا على شركهم عقابا لهم . وقوله " وما رميت إذا رميت
ولكن الله رمى " مثل الأول في أنه نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وآله وإن كان هو الرامي
وأضافه إلى نفسه من حيث كان بلطفه ، واقداره .
وهذه الرمية ذكر جماعة من المفسرين ، كابن عباس وغيره : أن النبي صلى الله عليه وآله
أخذ كفا من الحصباء فرماها في وجوههم ، وقال : شاهت الوجوه ، فقسمها الله تعالى
على أبصارهم ، وشغلهم بأنفسهم حتى غلبهم المسلمون ، وقتلوهم كل مقتل . وقال
بعضهم : أرد بذلك رمي النبي صلى الله عليه وآله أبي أمية بن الخلف الجمحي يوم أحد فأصابه
فقتله . وقال آخرون : أراد بذلك رمية سهمه يوم خيبر ، فأصاب ابن أبي الحقيق في
فراشة رأسه ، فقتله . والأول أشهر الأقوال .
فأما تعلق من تعلق بذلك من الغلاة ، بأن قال : لما قال " ولكن الله رمى "
- وكان النبي هو الرامي - دل ذلك على أنه هو الله تعالى ، فهو جهل وقلة معرفة بوجوه
الكلام لأنه لو كان على ما قالوه لكان الكلام متناقضا ، لأنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأنه
لم يرم ، فإن كان هو الله تعالى فإلى من توجه الخطاب ؟ وإن توجه إليه الخطاب دل
على أن الله غيره . وأيضا فإذا كان هو الله فقد نفى عنه الرمي فإذا أضافه بعد ذلك
إلى الله كان متناقضا على أنه قد دلت الأدلة العقلية على أن الله ليس بجسم ، ولا
حال في جسم ، فبطل قول من قال إن الله كان حل في محمد صلى الله عليه وآله وليس هذا موضع
نقضه . وقد ذكرنا الكلام في ذلك واستوفيناه في الأصول .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 93
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٩٣