تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
تعالى قد ميز أهل النار من أهل الجنة في الدنيا بالتسمية والحكم والشهادة جاز ان يقول ذرأناهم اي ميزنا هم . ثم وصفهم بصفة تخالف أوصاف أهل الجنة يعرفون بها فقال " لهم قلوب لا يفقهون بها " إلى آخرها . ويجوز أن يكون قوله " ذرأنا " بمعنى سنذرأ كما قال : " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار " ( 1 ) بمعنى سينادون ، فكأنه قال سيخلقهم خلقا ثانيا للنار بأعمالهم التي تقدمت منهم في الدنيا إذ كانوا استحقوا النار بتلك الاعمال . ولا يجوز أن يكون معنى الآية إن الله خلقهم لجهنم وأراد منهم ان يفعلوا المعاصي فيدخلوا بها النار ، لان الله تعالى لا يريد القبيح ، لان إرادة القبيح قبيحة ، ولان مريد القبيح منقوص عند العقلاء تعالى الله عن صفة النقص ، ولأنه قال " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ( 2 ) فبين انه خلق الخلق للعبادة والطاعة وقال " وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع " ( 3 ) وقال " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا " ( 4 ) وقال " ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " ( 5 ) وقال " إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله " ( 6 ) ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى ، فكيف يقول بعد ذلك " ولقد ذرأنا لجهنم " وهل هذا إلا تناقض تنزه كلام الله عنه . وقوله " أولئك كالانعام " يعني هؤلاء الذين لا يتدبرون بآيات الله ولا يستدلون بها على وحدانيته وصدق رسله أشباه الانعام والبهائم التي لا تفقه ولا تعلم ثم قال " بل هم أضل " يعني من البهائم ، لان في البهائم ما إذا زجرتها انزجرت وإذا أرشدتها إلى طريق اهتدت . وهؤلاء لعتوهم وكفرهم لا يهتدون إلى شئ من الخيرات مع ما ركب الله فيهم من العقول التي تدلهم على الرشاد وتصرفهم عن الضلال
هامش
( 1 ) سورة 7 الأعراف آية 43 ( 2 ) سورة 51 الذاريات آية 56 ( 3 ) سورة 4 النساء آية 63 ( 4 ) سورة 25 الفرقان آية 50 ( 5 ) سورة 57 الحديد آية 25 ( 6 ) سورة 63 المؤمنون آية 45
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 38 | الشيخ الطوسي / أحمد حبيب قصير العاملي