فعلى هذا لا يوصف الله تعالى بالداري ، واما قول الراجز .
اللهم لا أدري وأنت الداري
فلا يكون حجة في جوزا ذلك لامرين : أحدهما - انه لما تقدم قوله :
لا أدري استجاز أن يذكر الداري بعده ، ليزدوج الكلام ، كما قال تعالى " فمن
اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " ( 1 ) ونظائره كثيرة . والثاني - إن الاعراب ربما
ذكروا أشياء امتنع جوازها كما قال :
لو خافك الله عليه حرمه ( 2 )
وقال آخر :
اللهم إن كنت الذي بعهدي * ولم تغيرك الأمور بعدي
فاما الهمزة على ما حكي عن الحسن ، فلا وجه له لان الدرء الدفع ، كما
قال " فادرءوا عن أنفسكم الموت " ( 3 ) وقال " فادارأتم فيها " ( 4 ) وقوله عليه السلام
( ادرأوا الحدود بالشبهات ) قال الفراء : إن كان ما حكي عن الحسن لغة ، وإلا
يجوز أن يكون الحسن ذهب إلى طبعه وفصاحته فذهب إلى درأت الحد ، وقد يغلط
بعض العرب في الحرف إذا ضارعه آخر في الهمزة فيهمز ما ليس مهموزا ، سمعت
امرأة من غني تقول : رثأت زوجي بأبيات ، ويقولون : لبأت بالحج وحلات
السويق . وكل ذلك غلظ ، لان ( حلات ) إنما هو من دفع الإبل العطاش عن الماء
و " لبأت " من اللباء الذي يؤكل ، و " رثأت " من الرثية إذا حلبت الحليب
على الرايب ، ومن أمال فتحة الراء وأمال الألف بعدها ، فلان هذه الألف تنقلب
ياء في أدريته ، وهما مدريان . ومن لم يمل فلان الأصل عدم الإمالة ، ولان كثيرا
من الفصحاء لا يميل ذلك .
ومعنى قوله " ولا أدراكم به " قال ابن عباس ولا أعلمكم به من ( دريت به )
هامش
( 1 ) سورة 2 البقرة آية 194
( 2 ) قد مر في 2 / 185
( 3 ) سورة 3 آل عمران آية 168
( 4 ) سورة 2 البقرة آية 72