الهاء في ( لرفعناه ) كناية عن الذي تقدم ذكره ، وهو الذي آتاه اله آياته
فانسلخ منها ، فأخبره الله تعالى انه لو شاء لرفعه بتلك الآيات .
واختلفوا في معنى هذه المشيئة فقال الجبائي : المعنى لو شئنا لرفعناه بايمانه
ومعرفته قبل ان يكفر لكن أبقيناه ليزداد الايمان ، فكفر . وقال البلخي هذا
اخبار عن قدرته انه لو شاء لحال بينه وبين الكفر والارتداد ، وهو الذي نختاره
لأنا قد بينا ان المؤمن لا يجوز ان يرتد . وقال الزجاج : معناه لو شئنا ان نحول
بينه وبين المعصية لفعلنا .
وقوله " ولكنه أخلد إلى الأرض " معناه سكن إلى الدنيا وركن إليها ولم
يسم إلى الغرض الاعلى . يقال أخلد فلان إلى كذا وكذا وخلد ، وبالألف أكثر في
كلام العرب ، والمعنى إنه سكن إلى لذات الدنيا واتبع هواه أي لم نرفعه بالآيات
لاتباع هواه . وقيل معنى أخلد قعد ويقال : فلا مخلد إذا أبطأ عنه الشيب ومخلد
إذا لم تسقط أسنانه - هكذا ذكره الفراء - ومن الدواب الذي تبقى ثناياه حتى
تخرج رباعيتاه . وأخلد بالمكان إذا أقام به ، قال زهير :
لمن الديار غشيتها بالفدفد * كالوحي في حجر المسيل المخلد ( 1 )
وقال مالك بن نويرة :
بأبناء حي من قبائل مالك * وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا ( 2 )
وقال أبو عبيدة هو اللزوم للشئ والتقاعس فيه وقال سعيد بن جبير معناه
ركن إلى الأرض ، وقال مجاهد : معناه سكن إليها .
هامش
( 1 ) ديوانه 268 ، واللسان ( خلد ) . و ( الفدفد ) الفلاة التي لا شئ بها .
وقيل : هي الأرض الغليظة ذات الحصى ، وقيل غير ذلك و ( الوحي ) الكتابة
و ( حجر المسيل ) هو حجر صلب يكتبون فيه .
( 2 ) الأصمعيات : 323 .