على أن راوي هذا الخبر سليمان بن بشار الجهني ، وقيل مسلم بن بشار عن
عمر بن الخطاب وقال يحيى بن معين : سليمان هذا لا يدري أين هو . وأيضا فتعليل
الآية يفسد ما قالوه . لأنه قال : فعلت هذا لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين
والعقلاء اليوم في دار الدنيا عن ذلك غافلون .
فان قيل نسوا ذلك لطول العهد أو لان الزمان كان قصيرا كما يعلم الواحد منا
أشياء كثيرة ضرورة ثم ينساها كما ينسى ما فعله في امسه وما مضى من عمره .
قلنا إنما يجوز ان ينسى مالا يتكرر العلم به ولا يشتد الاهتمام به ، فأما
الأمور العظيمة الخارقة للعادة ، فلا يجوز ان ينساها العاقل . الا ترى ان الواحد منا
لو دخل بلاد الزنج ورأي الافيلة ولو يوما واحدا من الدهر لا يجوز ان ينسى ذلك
حتى لا يذكره أصلا مع شدة اجتهاده واستذكاره ؟ ولو جاز ان ينساه واحد لما
حاز ان ينساه الخلق بأجمعهم . ولو جوزنا ذلك للزمنا مذهب التناسخ وان الله كان
قد كلف الخلق فيما مضى وأعادهم ، إما لينعمهم أو ليعاقبهم . ونسوا ذلك . وذلك
يؤدي إلى التجاهل .
على أن أهل الآخرة يذكرون ما كان منهم من أحوال الدنيا ولم يجب ان ينسوا
ذلك لطول العهد ، ولا المدة التي مرت عليهم وهم أموات وكذلك أصحاب الكهف
لم ينسوا ما كانوا فيه قبل نومهم لما انتبهوا مع طول المدة في حال نومهم ، فعلمنا
ان هؤلاء العقلاء لما كانوا شاهدوا ذلك وحضروه وهم عقلاء لما جاز ان يذهب عنهم
معرفة ذلك لطول العهد ، ولوجب أن يكونوا كذلك عارفين .
وقال قوم وهو المروي في أخبارنا إنه لا يمنع أن يكون ذلك مختصا بقوم
خلقهم الله وأشهدهم على أنفسهم بعد ان أكمل عقولهم وأجابوه ب ( بلى ) ، وهم
اليوم يذكرونه ولا يغفلون عنه ، ولا يكون ذلك عاما في جميع العقلاء وهذا وجه
أيضا قريب يحتمله الكلام .
وحكى أبو الهذيل في كتابة الحجة : أن الحسن البصري وأصحابه كانوا
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 29
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٢٩