اخبر الله تعالى عن هؤلاء العصاة الذين عصوا بصيد السمك في السبت ، ونهوا
فلم ينتهوا ووعظوا فلم يتعظوا ، وأنه أنزل عليهم العذاب الشديد ، فلما عتوا عما نهى
الله وتمردوا في معصيته مسخهم الله قردة خاسئين .
والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة . والعتو الخروج
إلى الجرأة على أفحش الذنوب . وقوله " خاسئين " معناه مبعدين من قولهم خسأت
الكلب إذا أقصيته فخسأ أي بعد . وقال الحسن معناه صاغرين ، وقال : إن أهل
المسخ يتناسلون . وقال ابن عباس : لا يتناسلون ، وأجاز الزجاج كلا الامرين .
وسئل أبو مالك : أكانت القردة والخنازير قبل ان يمسخوا ؟ قال : نعم وكانوا
فيما خلق الله من الأمم . وقول ابن عباس أصح ، لان المعلوم أن القردة ليست
من ولد آدم كما أن الكلاب ليست من ولد آدم . قال قتادة : صاروا قردة لها
أذناب تعاوي بعد ما كانوا نساء ورجالا .
وقوله تعالى : " كونوا قردة " صيغته صيغة الامر والمراد به الاخبار : من
أنه جعلهم قردة على وجه يسهل عليه ولم يتعب به ولم ينصب كما قال تعالى : " إنما
قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " ( 1 ) . وقال " ائتيا طوعا أو كرها
قالتا أتينا طائعين " ( 2 ) ولم يكن هناك أمر لأنه تعالى لا يأمر المعدوم ، وإنما هو
إخبار عن تسهيل الفعل ، وأجاز الزجاج أن يكون قيل لهم ذلك بكلام سمعوه فيكون
ذلك أبلغ في الآية النازلة بهم لما يدل على وقوع الأول الذي تبعه الثاني . وليس
كذلك إذا قلت : لما جاء المطر خرج النبات ، وقوله تعالى " ولو ردوا لعادوا "
فلا يقع الرد أصلا .
قوله تعالى :
وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من
هامش
( 1 ) سورة 16 النحل آية 40
( 2 ) سورة 41 حم السجدة ( فصلت ) آية 11