ثلاجة أوجه :
أحدها - أنهم لما عظموهما تعظيم الآلهة أطلق ذلك عليهما كما قال
" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " ( 1 ) وإنما أراد تقريعهم
على معصيتهم .
والثاني - انهم جعلوه إلها وجعلوا مريم والدة له ميزوها من جميع
البشر تمييزا شابهت الإلهية وأطلق ذلك ، لأنه مستخرج من قصدهم . وان
لم يكن صريح ألفاظهم ، على طريقة الالزام لهم .
الثالث - انهم لما سموه إلها وعظموها هي ، وكانا مجتمعين سماهما
إلهين على طريقة العرب كقولهم : القمران للشمس والقمر ، والعمران لأبي بكر
وعمر قال الشاعر :
جزاني الزهدمان جزاء سوء * وكنت المرء يجزى بالكرامة ( 2 )
يريد زهدما وقيسا ابني حزن القيسين ، وهذا كثير ، وذكر لي بعض
النصارى الذي قرأ كتب النصارى عن جاثليق لهم لم يكن في زمانة مثله :
أنه سأله عن هذا فقال : كنت شاكا في ذلك إلى أن قرأت في كتاب ذكره أن
فيما مضى كان قوم يقال لهم المريمية كانوا يعتقدون في مريم أنها آلهة ، فعلى
هذا القول أقرب . وورد كما قلناه أفي الحكاية عن اليهود أنهم قالوا : عزير
ابن الله . وقد ذكرناه في سورة التوبة .
وقوله " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " معناه أنزهك أن
يكون معك آلهة وأن يكون للأشياء إله غيرك ، واعترف بأنه لم يكن لي أن
أقول هذا القول . وقوله " إن كنت قلته فقد علمته " أي لم أقله لأني لو
كنت قلته لما خفي عليك إذ كنت علام الغيوب . وقوله " تعلم ما في نفسي ولا
أعلم ما في نفسك " أي تعلم غيبي ولا أعلم غيبك ، لان ما في نفس عيسى وما
هامش
( 1 ) سورة 9 التوبة آية 33 .
( 2 ) اللسان ( زهدم ) نسبة إلى قيس بن زهير .