قرأ أهل الحجاز ، وروح " برسالتي " على التوحيد . الباقون " برسالاتي "
على الجمع . والرسالة تجري مجرى المصدر فتفرد في موضع الجمع ، وإن لم
يكن المصدر من ( أرسل ) يدلك على أنه جار مجراه قول الأعشى :
ففادك بالخيل أرض العدو * وجذعانها كلقيطة العجم ( 1 )
فاعماله إياها إعمال المصدر بذلك على أنه يجري مجراه ، والمصدر قد
يقع لفظ الواحد فيه والمراد به الكثرة ، وكان المعنى على الجمع لأنه مرسل
لضروب من الرسالة ، والمصادر قد تجمع مثل الحلوم والألباب . وقال تعالى
" إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " ( 2 ) فجمع الأصوات لما أريد بها أجناس
مختلفة صوت الحمار بعضها ، فأفرد صوت الحمار ، وإن كان المراد به الكثرة ،
لأنه صوت واحد .
أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه نادى موسى ( ع ) وقال له " يا موسى إني
اصطفيتك " ومعنى الاصطفاء استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة . والفضائل
على وجوه كثيرة : أجلها قبول الأخلاق الكريمة والافعال الجميلة ، ولهذا
المعنى اصطفي موسى ( ع ) حتى استحق الرسالة ، وأن يكلم بتلقين الحكمة .
وقوله تعالى " برسالاتي وبكلامي " فيه بيان ما به اصطفاه وهو أن جعله
نبيا وخصه بكلامه بلا واسطة ، وهما نعمتان عظيمتان منه تعالى عليه ، فلذلك
امتن بهما عليه ، وإنما صار في كلام الجليل نعمة على المكلم ، لأنه كلمه بتعليم
الحكمة من غير واسطة بينه وبين موسى ، ومن أخذ العلم عن العالم المعظم
كان أجل رتبة ، ولو كلم إنسانا بالانتهار والاستخفاف ، لكان نقمة عليه بالضد
من تلك الحال .
وقوله تعالى " فخذ ما آتيتك " معناه تناول ما أعطيتك " وكن من
الشاكرين " يعني من المعترفين بنعمتي ، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع
القيام بحقها على حسب مرتبتها ، فإذا كانت من أعظم النعم ، وجب أن تقابل
هامش
( 1 ) ديوانه : 30 القصيدة 3 .
( 2 ) سورة 31 لقمان آية 19 .