إلى نفسه في جوابه مع تحريك النفس له بطريق السؤال . وقد بينا فيما مضى
من الكتاب حقيقة الظلم ، وأن أجود ما حدبه أن قيل : هو الضرر المحض
الذي لا نفع فيه يوفى عليه ، ولا دفع ضرر أعظم من دفعه ، لا عاجلا ولا
آجلا ، ولا يكون مستحقا ولا واقعا على وجه المدافعة . وقد حد الرماني
الظلم بأنه الضرر القبيح من جهة بخس الحق به ، وهذا ينتقض بالألم الذي
يدفع به ألم مثله ، لما قلناه .
وقوله " أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب " فالنيل هو وصول النفع
إلى العبد إذا أطلق ، فان قيد وقع على الضرر ، لان أصله الوصول إلى
الشئ من نلت النخلة أنالها نيلا ، قال امرؤ القيس :
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا * ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر ( 1 )
والبخل منع النائل لمشقة الاعطاء .
وقيل في معنى " ينالهم نصيبهم من الكتاب " أقوال :
أحدها - قال الزجاج والفراء : هو ما ذكره الله تعالى من أنواع العذاب
للكفار مثل قوله " فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب
وتولى " ( 2 ) وقوله " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت
وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم " ( 3 ) وغير ذلك مما كتب الله في اللوح المحفوظ .
الثاني - قال الربيع وابن زيد : من الرزق والعمر ، والعمل : من الخير
والشر في الدنيا .
الثالث - قال مجاهد : جميع ما كتب لهم وعليهم ، وهو قول عطية .
وقال بعضهم معناه ينالهم نصيبهم من خير أو شر في الدنيا ، لأنه قال
" حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم " وهي الانتهاء . والأجوبة الأولى أقوى
هامش
( 1 ) ديوانه : 86 . من قصيدة يمدح بها سعد بن الصباب ويهجو
هانئ بن مسعود .
( 2 ) سورة 92 الليل آية 14 - 16 .
( 3 ) سورة 3 آل عمران آية 106 .