من قرأ بتشديد الياء فحجته قوله " وذلك دين القيمة " ( 1 ) كأنه قال دين
الملة القيمة ، ويكون وصفا للدين إذا كان نكرة ، كما كان وصفا للملة ، لان
الملة هي الدين . قال أبو الحسن : قال أهل المدينة " دينا قيما " وهي حسنة ،
ولم اسمعها من العرب . قال أبو الحسن : وهو في معنى المستقيم .
فأما من قرأ بالتخفيف ، فإنه أراد المصدر ، مثل الشبع ، ولم يصحح
( عوض وحول ) . قال الزجاج : لأنه جاء على ( فعل ) معتل ، وهو ( قام )
والأصل ( قوم ، أقوم قوما ) قال أبو علي : وكان القياس يقتضى ان يصحح ،
لكنه شذ عن القياس ، كما شذ ( أشياء ) ونحوه عن القياس نحو ( ثيرة ) في
جمع ( ثور ) ونحو ( جياد ) في جم ( جواد ) وكان القياس الواو ، كما قالوا :
طويل وطوال قال الأعشى :
جيادك فالصيف في نعمة تصان * الجلال وتعطى الشعيرا ( 2 )
وقوله " دينا قيما " يحتمل نصبه ثلاثة أوجه :
أحدها - أنه قال " انني هداني ربي إلى صراط مستقيم " واستغنى
بجري ذكر الفعل عن ذكره ، فقال " دينا قيما " كما قال " اهدنا الصراط
المستقيم " .
والثاني - نصبه على تقدير عرفني ، لان هدايتهم إليه تعريف لهم فحمله
على عرفني دينا قيما .
وقال الزجاج : معناه عرفني دينا قيما . ان شئت حملته على الاتباع كما
قال " اتبعوا ما أنزل " ( 3 ) وقال الفراء : هو نصب على المصدر ، كأنه قال
هداني اهتداء ، ووضع ( دينا ) موضعه .
أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للخلق وخاصة لهؤلاء الكفار " انني
هداني ربي " وقيل في معنى الهداية قولان :
هامش
( 1 ) سورة 98 البينة آية 5
( 2 ) ديوانه : 17
( 3 ) سورة 2 البقرة آية 170 .