تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
فان قيل : إنما أنكر الله تعالى عليهم هذا القول ، لأنهم جعلوا هذا القول حجة في إقامتهم على شركهم ، فأعلم الله عز وجل ان " كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا " ولم ينكر عليهم انهم قالوا الشرك بمشيئة الله ، ولو كان منكرا لذلك ، لقال : كذلك كذب الذين - بتخفيف الذال - . قلنا : لا يجوز ذلك ، لأنه تعالى بين انهم كذبوا في هذا القول بقوله " وان أنتم الا تخرصون " أي تكذبون ، فاما كذبوا فقد حكينا أنه قرئ - بالتخفيف - ومن شدد الذال ، فلان تكذيب الصادق كذب ، وهو يدل على الامرين ، فان قالوا : إنما عابهم ، لأنهم كانوا متهزئين بهذا القول لا معتقدين ولا متدينين . قلنا : المعروف من مذهبهم خلافه ، لأنهم كانوا يعتقدون ان جميع ما يفعلونه قربة إلى الله ، وان الله تعالى إرادة وأخبر عنه ، فكيف يكونون متهزئين ، على أن الهازئ بالشئ لا يسمى كاذبا ، فكيف سماهم الله كاذبين ؟ على أنه إذا كان كل ما يجري بمشيئته فلا يجب ان ينكر على أحد ما يعتقده ، لأنه اعتقد ما شاء الله . ومن فعل ما شاء كان مطيعا له ، لان الطاعة هي امتثال الامر والمراد منه . وهذا باطل بالاجماع . فان قيل : إنما عاب الله المشركين بهذه الآية ، لأنهم قالوا ذلك حدسا وظنا لاعن علم ، وذلك لا يدل على أنهم غير صادقين ، وقد يجوز أن يكون الانسان صادقا فيما يخبر به ويكون قوله صادرا عن حدس وعن ظن . قلنا : لو كان الامر على ما قلتم لما كانوا كاذبين إذا كان مخبر ما أخبروا به على ما أخبروا ، وقد كذبهم الله في اخبارهم بقوله " كذلك كذب الذين من قبلهم " وبقوله " ان أنتم الا تخرصون " على أن من ظن شيئا فأخبر عنه لا يوصف بأنه كاذب وإن كان على خلاف ما ظنه فكيف إذا كان على ما ظنه . قوله تعالى : قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين ( 149 ) آية بلا خلاف .