فان قيل : إنما أنكر الله تعالى عليهم هذا القول ، لأنهم جعلوا هذا القول
حجة في إقامتهم على شركهم ، فأعلم الله عز وجل ان " كذلك كذب الذين من
قبلهم حتى ذاقوا بأسنا " ولم ينكر عليهم انهم قالوا الشرك بمشيئة الله ، ولو
كان منكرا لذلك ، لقال : كذلك كذب الذين - بتخفيف الذال - .
قلنا : لا يجوز ذلك ، لأنه تعالى بين انهم كذبوا في هذا القول بقوله
" وان أنتم الا تخرصون " أي تكذبون ، فاما كذبوا فقد حكينا أنه قرئ
- بالتخفيف - ومن شدد الذال ، فلان تكذيب الصادق كذب ، وهو يدل
على الامرين ، فان قالوا : إنما عابهم ، لأنهم كانوا متهزئين بهذا القول
لا معتقدين ولا متدينين . قلنا : المعروف من مذهبهم خلافه ، لأنهم كانوا
يعتقدون ان جميع ما يفعلونه قربة إلى الله ، وان الله تعالى إرادة وأخبر عنه ،
فكيف يكونون متهزئين ، على أن الهازئ بالشئ لا يسمى كاذبا ، فكيف
سماهم الله كاذبين ؟ على أنه إذا كان كل ما يجري بمشيئته فلا يجب ان ينكر
على أحد ما يعتقده ، لأنه اعتقد ما شاء الله . ومن فعل ما شاء كان مطيعا له ،
لان الطاعة هي امتثال الامر والمراد منه . وهذا باطل بالاجماع .
فان قيل : إنما عاب الله المشركين بهذه الآية ، لأنهم قالوا ذلك حدسا
وظنا لاعن علم ، وذلك لا يدل على أنهم غير صادقين ، وقد يجوز أن يكون
الانسان صادقا فيما يخبر به ويكون قوله صادرا عن حدس وعن ظن .
قلنا : لو كان الامر على ما قلتم لما كانوا كاذبين إذا كان مخبر ما أخبروا
به على ما أخبروا ، وقد كذبهم الله في اخبارهم بقوله " كذلك كذب الذين من
قبلهم " وبقوله " ان أنتم الا تخرصون " على أن من ظن شيئا فأخبر عنه
لا يوصف بأنه كاذب وإن كان على خلاف ما ظنه فكيف إذا كان على ما ظنه .
قوله تعالى :
قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين ( 149 )
آية بلا خلاف .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 310
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣١٠