الله تعالى بذلك في قوله " كذلك كذب الذين من قبلهم " ومعناه مثل هذا
التكذيب الذي كان من هؤلاء - في أنه منكر - " كذب الذين من قبلهم "
وإنما قال كذلك لتقضي الخبر ، ولو قال ( كذا ) لجاز ، لأنه قريب بعد الأول ،
و ( كذلك ) أحسن ، لان ما فيه من تأكيد الإشارة تغني عن الصفة .
وحكي انه قرئ " كذب الذين " بالتخفيف ، فمن خفف أراد ان هؤلاء
كاذبون كما كذب الذين من قبلهم على الله بمثله . ومن قرأ بالتشديد ، فلأنهم
بهذا القول كذبوا رسول الله لأنهم قالوا له : ان الله أراد منا ذلك وشاءه ،
ولو أراد غيره لما فعلناه ، مكذبين للرسول ( ص ) كما كذب من تقدم أنبياءهم
فيما أتوا به من قبل الله .
ثم بين بقوله " قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا " أن ما قالوه باطل
وكذب على الله لأنه لو كان صحيحا لما رده عليهم .
ثم أكد تكذيبهم بقوله " ان تتبعون الا الظن " أي ليس يتبعون إلا ظنا
من غير علم " وان أنتم الا تخرصون " يعني تكذبون ، والخرص الكذب
كقوله " قتل الخراصون " ( 1 )
وفى هذه الآية أدل دلالة على أن الله تعالى لا يشاء المعاصي والكفر ،
وتكذيب ظاهر لمن أضاف ذلك إلى الله مع قيام أدلة العقل على أنه تعالى لا يريد
القبيح ، لان إرادة القبيح قبيحة ، وهو لا يفعل القبيح ، ولأن هذه صفة نقص ،
فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وقوله " حتى ذاقوا بأسنا " معناه حتى ذاقوا عذابنا ، وأراد به حلول
العذاب بهم فجعل وجدانهم لذلك ذوقا مجازا . وجاز قوله " ما أشركنا ولا
آباؤنا " ولم يجز ان يقال : قمنا وزيد ، لان العطف على المضمر المتصل
لا يحسن الا بفصل ، فلما فصلت ( لا ) حسن ، كما حسن : ما قد قمنا ولا زيد
كان كذلك ، لان الضمير المتصل يغير له الفعل في ( فعلت ) فيصير كجزء منه .
هامش
( 1 ) سورة 51 الذاريات آية 10 .