واستعملوا في اطفاء نور من جاء بالكتاب سائر الحيل . ثم اخبر تعالى عن حال
من فعل ذلك ، فقال : " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " وحذف جواب
( لو ) وتقديره : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما
وكل من كان في شئ كثير يقال له : غمر فلانا ذلك . ويقال قد غمر فلانا الدين
معناه كثر ، فصار فيما يعلم بمنزلة ما يبصر قد غمر وغطى من كثرته وقوله
" والملائكة باسطوا أيديهم " معناه باسطوا أيديهم بالعذاب وقيل بقبض أرواح
الكفار .
وقوله : " اخرجوا أنفسكم اليوم " يحتمل أمرين :
أحدهما - أن يكون تقديره يقولون : اخرجوا أنفسكم ، كما تقول للذي
تعذبه لأزهقن نفسك ولأخرجن نفسك ، فهم يقولون لهم اخرجوا أنفسكم
على معنى الوعيد والتهديد ، كما يدفع الرجل في ظهر صاحبه ويكرهه على
المضي بأن يجره أو بغير ذلك ، وهو في ذلك يقول امض الان لترى ما يحل بك .
والغمرات جمع غمرة ، وغمرة كل شئ كثرته ومعظمه ، وأصله الشئ الذي
يغمر الأشياء فيغطيها . وقال ابن عباس غمرات الموت سكراته ، وبسط الملائكة
أيديها فهومدها ، وقال ابن عباس أيضا : البسط الضرب ، يضربون وجوههم
وأدبارهم وملك الموت يتوفاهم ، وقال الضحاك : بسطها أيديها بالعذاب .
والثاني - أن يكون معناه خلصوا أنفسكم اي لستم تقدرون على الخلاص
" اليوم تجزون عذاب الهون " اي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد ،
والهون - بفتح الهاء وسكون الواو - من الرفق والدعة ، كقوله " وعباد
الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا " ( 1 ) وقال الشاعر :
هونا كما لا يرد الدهر ما فاتا * لا تهلكن أسفا في أثر من ماتا ( 2 )
هامش
( 1 ) سورة 25 الفرقان آية 63
( 2 ) قائله ذوجدن الحميري . معجم البلدان ( بينون واللسان ( هون )
والأغاني 16 / 70 وسيرة ابن هشام 1 / 39 وتاريخ الطبري 2 / 180 وتفسير
الطبري 11 / 541 وغيرها .