ما يقول المجبرة من أن الله هو المزين لهم ذلك ، وفيها حجة على من قال : ان
الله لم يرد من الكافر الايمان ، وانه ارسل الرسل بينة عليهم ، وعلى من زعم أن
أخذه الكافرين بالبأساء والضراء في الدين ليس لما أراد من صلاحهم ، لأنه بين
الله إنما فعل بهم ذلك ليتضرعوا ، وهذه لام الغرض ، لأن الشك لا يجوز عليه
تعالى " ويتضرعون " معناه يتذللون يقال ضرع فلان لفلان إذا بخع له وسأله
أن يعطيه ، وفلان ضارع أي نحيف .
قوله تعالى :
فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى
إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( 44 ) فقطع
دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ( 45 ) آيتان
قرأ ابن عامر وأبو جعفر ، وورش " فتحنا " وفي الأعراف " لفتحنا " وفي
الأنبياء " فتحت " وفى القمر " ففتحنا أبواب السماء " بالتشديد فيهن ، وافقهم
روح في الأنبياء والقمر . والباقون بالتخفيف فيهن .
ومن ثقل أراد التكثير ، ومن خفف أراد الفعل مرة واحدة .
بين الله تعالى بهذه الآية ان هؤلاء الكفار لما لم ينتفعوا بالبأساء والضراء
على ما اقتضت مصلحتهم ، ونسوها أي تركوها فصارت في حكم المنسي ابتليناهم
بالتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة ، وينبهوا عليه ، فيطيعوا ويرجعوا
عما هم عليه ، فلما لم ينجع ذلك فيهم ولم يرتدعوا عن الفرح بما أوتوا ، ولم
ينعظوا ولم ينفعهم الزجر بالضراء والسراء ، ولا الترغيب بالتوسعة والرخاء
أحللنا بهم العقوبة بغتة أي مفاجأة من حيث لا يشعرون " فإذا هم مبلسون " .
قال الزجاج : ( المبلس ) الشديد الحسرة و ( البائس ) الحزين . وقال البلخي :
معنى مبلسون يعني : أذلة خاضعين . وقال الجبائي : معنى ( مبلسون ) آيسون ،
وقال الفراء المبلس : المنقطع الحجة ، قال رؤبة :
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 137
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٣٧