نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " ( 3 ) فإنه أراد بذلك
الاخبار عن قدرته وانه لو شاء الجاءهم إلى الايمان لكان عليه قادرا . ولا يدل
ذلك على أنه لم يشأ منهم الايمان على وجه الاختيار منهم أو لم يشأ ان يفعل
ما يؤمنون عنده مختارين ، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على هذا الوجه
وإنما أفاد نفي المشيئة لما يلجئهم إلى الايمان ، لأنه متى ألجأهم إليه لم يكن
ذلك ايمانا يستحق عليه الثواب ، والغرض بالآية ان يبين تعالى ان الكفار لم
يغلبوا الله بكفرهم ولا قهروه بخلافه وانه لو أراد أن يحول بينهم وبينه لفعل ،
لكنه يريد أن يكون ايمانهم على وجه يستحقون به الثواب ، ولا ينافي التكليف .
وقوله " فلا تكونن من الجاهلين " إنما هو نهي محض عن الجهل ولا يدل
ذلك على أن الجهل كان جائزا منه صلى الله عليه وآله بل يفيد كونه قادرا عليه ، لأنه تعالى
لا يأمر ولا ينهي الا بما يقدر المكلف عليه ، ومثله قوله " لئن أشركت ليحبطن
عملك " ( 4 ) وإن كان الشرك لا يجوز عليه لكن لما كان قادرا عليه جاز أن ينهاه
عنه . والمراد هاهنا فلا تجزع ولا تحزن لكفرهم واعراضهم عن الايمان ، وانهم
لم يجمعوا على التصديق بك فتكون في ذلك بمنزلة الجاهلين الذين لا يصبرن
على المصائب ، ويأثمون لشدة الجزع .
والنفق : الطريق النافذ في الأرض والنافقاء ممدودا وجر حجر اليربوع
يحفره من باطن الأرض إلى جلدة الأرض فإذا بلغ الجلدة أرقها فإذا رابه ريب
وقع برأسه هذا المكان وخرج منه ، ومنه سمي المنافق منافق لأنه أبطن غير ما
أظهر ، والسلم مشتق من السلامة لأنه يسلمك إلى مصعدك .
قوله تعالى :
إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم
إليه يرجعون ( 36 ) آية بلا خلاف .
هامش
( 3 ) سورة الشعراء آية 4
( 4 ) سورة 39 الزمر آية 65 .