بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع القرآن ،
وقبوله والتصديق بنبوة نبيه ، ويبعدون عنه ، لان معنى ( ينأون ) يبعدون إلى
حيث لا يسمعونه خوفا من أن يسبق إلى قلوبهم الايمان به والعلم بصحته .
وقوله " وان يهلكون الا أنفسهم " معناه ليس يهلكون إلا أنفسهم
" وما يشعرون " انهم ما يهلكون بنهيهم عن قبوله ، وبعدهم عنه " الا أنفسهم "
لأنهم لا يعلمون اهلاكهم إياها بذلك وإهلاكهم إياها هو ما يستحقون به الصيرورة
إلى العذاب الأبدي في النار . وهل هناك هلاك أعظم من ذلك ؟ ! . والنأي :
البعد " ينأون " أي يتباعدون عنه ، تقول نأيت عن الشئ أنأى نأيا ، إذا
بعدت عنه . والنؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف لان لا يدخله الماء
من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة ، فيمنع
التراب الماء أن يدخل من خارج ، وهو مأخوذ من النأي ، أي تباعد الماء
عن البيت .
وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال معرفة الله ضرورة ، وأن من
لا يعرف الله ولا يعرف نبيه لا حجة عليه ، لان الله بين أن هؤلاء الكفار قد
أهلكوا أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن وتباعدهم عنه وانهم لا يشعرون
ولا يعلمون باهلاكهم أنفسهم بذلك ، فلو كان من لا يعرف الله ولا نبيه ولا دينه
لا حجة عليه ، لكانوا هؤلاء معذورين ولم يكونوا هالكين وذلك خلاف ما نطق
به القرآن .
قوله تعالى :
ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب
بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ( 27 ) آية بلا خلاف .
قرأ حمزة ويعقوب وحفص " ولا نكذب . . وتكون " بالنصب فيهما ،
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 107
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٠٧