لأجل نسيانهم . غير أنه ليس بعقوبة ، وإن كان جوابا . فكان الاغراء إنما وقع
بينهم من أجل نسيانهم لحظهم من قبل أنهم نسوا ما ذكروا به من معرفة التوحيد ،
والتدين به ، فصاروا إلى القول بالاتحاد والشرك والفرية عليه ( تعالى ) فلأجل
ذلك أمر الله أضدادهم بمعاداتهم ، واغرائهم بهم . فان قيل : فان الله ( تعالى ) ذكر
النصارى في هذه الآية بنسيان حظهم ثم أجاب بالفاء في قوله : " فأغرينا بينهم "
وليس يصح على هذا أن يكون أغرى بينهم من اجل ما فعله النصارى من الكفر ،
لأنه إذا أمر اليهود بمعاداة النصارى ، لأجل نسيان النصارى وكفرهم فإنما هذا عن
امر الله اليهود بهم ، وليس باغراء بعضهم ببعض ، وقوله : " فأغرينا بينهم " يدل
على أن الله بعث كل واحد من الفريقين على صاحبه ، وهذا يوجب خلاف قولكم ؟ !
قيل : الامر على ما قلتم من أن امر اليهود بمعاداة النصارى هو إغراء لهم بهم ،
وليس باغراء بين النصارى ، لكنه تعالى قد ذكر اليهود فيما تقدم من هذه السورة ،
وتكذيبهم ، وفريتهم على الله ، ثم ذكر النصارى ، فلما جمع بين الفريقين في الذكر في
هذه السورة ، وان لم يجمعهم في هذه الآية ، جاز ان يذكر انه أغرى بينهم العداوة
بان امر كل واحد منهما بمعاداة عدوه فيما عصى فيه . وصح الاغراء بينهم والقاء
العداوة والتباعد والمنافرة ، وصح أن يجعل ذلك جوابا . وقد قال البلخي جوابا
آخر : وهوان يكون الاغراء بين النصارى خاصة بعضهم لبعض على ظاهر الآية ،
وهو أن الله تعالى نصب الأدلة على ابطال قول كل فرقة من فرق النصارى ، فإذا
عرفت طائفة منها فساد مذهب الأخرى فيما نصب الله لها من الأدلة ، وان جهلت
فساد مقالة نفسها لتفريطها في ذلك ، وسوء اختيارها ، فجاز على هذا أن يضاف
الاغراء في ذلك إلى الله من حيث إنه امر كل فرقة منها بمعاداة الأخرى على ما
تعتقده ، وان أمرها أيضا بأن تترك ما هي متمسكة به لفساده وهذا واضح بحمد
الله ، فان قيل : أيجوز على هذا ان يقال إن الله أغرى بين المؤمنين والكفار العداوة ؟
قلنا : اما اغراء المؤمن بالكفر فصحيح ، واما اغراء الكافر بالمؤمن ، فليس بصحيح ،
لان ما عليه المؤمنون حق ، وما عليه الكفار ، باطل . وإنما يقال : إن الله أغرى بين
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 473
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٧٣