تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
المعنى : فان قيل : كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نراه ، ولا نسمع كلامه ! قلنا : لما كان الواحد منا يجد من نفسه معنى الامر بما يجد من الدعاء إلى المعصية ، والمنازعة في الخطيئة ، وكان ما نجده من نفوسنا من الدعاء والاغواء إنما هو بأمر الشيطان الذي دلنا الله عليه ، وحذرنا منه ، صح إخبار الله بذلك . فان قيل : إذا كان الله عز وجل يوصل معنى أمره لنا إلى نفوسنا ، فما وجه ذلك في الحكمة ، وهو لو أمر من غير إيصال معنى الامر لم يكن في ذلك مضرة ؟ قلنا . في ذلك أكبر النعمة لان التكليف لا يصح إلا مع منازعة إلى الشئ المنهي عنه ، فكان ذلك من قبل عدو ، يحذره ، أولى من أن يكون المنازعة من قبل ولي يستنصحه . وفي ذلك المصلحة لنا بالتعريض للثواب الذي يستحقه بالمخالفة له ، والطاعة لله تعالى ، كما أن في خلقه مصلحة من هذه الجهة ، وإذا كان إنما أفهمنا ذلك لنجتنبه ، فهو كتعليم شبهة ملحد ، لنعلم حلها وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال : إن المعارف ضرورة ، لأنها لو كانت ضرورة ، لما جاز أن يدعوهم إلى خلافها ، كما لا يدعوهم إلى خلاف ما هم مضطرون إليه من أن السماء فوقهم ، والأرض تحتهم ، وما جرى مجراه مما يعلم ضرورة لان الدعاء إلى ذلك يجري مجرى الدعاء إلى خلق الأجسام ، وبعث الأموات ، لا يدخل تحت مقدور القدرة . وقد استدل نفاة القياس ، والقول بالاجتهاد بهذه الآية بأن قالوا : القول بالاجتهاد والقياس قول بغير علم ، وقد نهى الله عن ذلك فيجب أن يكون ذلك محظورا ، ومذهبنا وإن كان المنع من القول بالاجتهاد ، فليس في هذه الآية دلالة على ذلك ، لان للخصم أن يقول : إذا دلني الله تعالى على العمل بالاجتهاد ، فلا أعمل أنا به إلا بالعلم ، ويجري ذلك ؟ وجوب العمل عند شهادة الشاهدين ، والعمل بقول المقومين في أروش الجنايات وقيم المتلفات ، وجهات القبلة ، وغير ذلك من الأشياء التي هي واقعة على الظن شرط ، والعمل واقف على الدليل الموجب للعلم