تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
مثل قوله : " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " ( 1 ) بمعنى الجميع آية ولو أريد أن كل واحد منهما آية على التفصيل ، لقيل آيتين . فان قيل : لم أنزل في القرآن المتشابه ؟ وهلا أنزله كله محكما ! قيل للحث على النظر الذي يوجب العلم دون الاتكال على الخبر من غير نظر ، وذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما يأتي به الرسول حق يجوز أن يكون الخبر كذبا ، وبطلت دلالة السمع ، وفائدته ، فلحاجة العباد إلى ذلك من الوجه الذي بيناه ، أنزل الله متشابها ، ولولا ذلك لما بان منزلة العلماء ، وفضلهم على غيرهم ، لأنه لو كان كله محكما لكان من يتكلم باللغة العربية عالما به ، ولا كان يشتبه على أحد المراد به فيتساوى الناس في علم ذلك ، على أن المصلحة معتبرة في انزال القرآن ، فما أنزله متشابها لان المصلحة اقتضت ذلك ، وما أنزله محكما فلمثل ذلك . والمتشابه في القرآن يقع فيما اختلف الناس فيه من أمور الدين : من ذلك قوله تعالى " ثم استوى على العرش " ( 2 ) فاحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على السرير واحتمل أن يكون بمعنى الاستيلاء نحو قول الشاعر : ثم استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق ( 3 ) وأحد الوجهين لا يجوز عليه تعالى لقوله : " ليس كمثله شئ " ( 4 ) وقوله " لم يكن له كفوا أحد " . والاخر يجوز عليه ، فهذا من المحكم الذي يرد إليه المتشابه . ومن ذلك قوله : " ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به " ( 5 ) فاحتمل ظاهره تكليف المشاق ، واحتمل تكليف مالا يطاق وأحدهما لا يجوز عليه تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ( 6 )
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون آية : 51 . ( 2 ) سورة الأعراف آية : 53 ، وسورة يونس آية : 3 ، وسورة الفرقان آية 59 ، وسورة ألم السجدة آية : 4 ، وسورة الحديد آية : 4 . ( 3 ) مر تخريجه في 1 : 125 . ( 4 ) سورة الشورى آية : 11 . ( 5 ) سورة البقرة آية : 286 . ( 6 ) سورة البقرة آية : 286 ، وسورة الطلاق آية : 7 .