عياش : يقولون إن أبا حنيفة ضرب على القضاء ، إنما ضرب على أن يكون عريفا
على طرز حاكة الخزازين .
هذا إن صح عن ابن عياش فإنما ذكره ابن عياش وحده والناس على خلافه
ولكني أجيبه ، وإن كان ضرب أيضا على أن يكون عريفا فلم يفعل فهو كذلك أيضا
لأنه تجنب الولاية ، فسواء القضاء وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( العرفاء في النار )
ودليل على خلاف قوله ، أنهم استعملوا أبا يوسف على القضاء وهو تلميذ أبي حنيفة ، فلو فعل أبو حنيفة [ ورضى أن ] يلي لما ولوا غلامه .
وروى عن ابن رزق إلى أسود بن سالم يقول قال أبو بكر بن عياش سود الله
وجه أبي حنيفة . هذا من الجميع خطأ ، رجل دعا على أبي حنيفة أي شئ كان في
هذا حتى ينقله ، فإن مثل هذا لا ينبغي أن يذكره أحد لأنه ما أتى عن أبي حنيفة
بشئ ينكره عالم ، وإنما سفه فنقل الخطيب سفهه فلو أن كل من دعى عليه كان
منكوتا لما سلم أحد من الناس كافة .
وروى عن الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ إلى محمد بن حفص الدوري قال
سمعت أبا عبيد يقول : كنت جالسا مع الأسود بن سالم في مسجد الجامع بالرصافة ،
فتذكروا مسألة فقلت إن أبا حنيفة يقول فيها كيت وكيت ، فقال لي الأسود : تذكر
أبا حنيفة في المسجد ؟ فلم يكلمني حتى مات . الجواب عن هذا كما تقدم ، وأيضا
فإن ذكر الكفار في القرآن ، وهو كلام الله الذي لا تصح الصلاة إلا به ، وأي شئ
كان في هذا مما ينقل ويجعل قدحا في أبي حنيفة ؟ وأيضا قد فعل محرما لأن النبي صلى الله عليه وسلم
يقول : ( لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ،
وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) فهذا الخبر لم يفت الخطيب ، وإنما قصد رده والطعن
فيه لا في أبي حنيفة .
وروى عن محمد بن أحمد بن يعقوب إلى محمد بن عبد الوهاب يقول قلت لعلى
ابن عثام : أبو حنيفة حجة ؟ فقال : لا للدين ولا للدنيا .
قد أجمع الناس على خلاف قول هذا القائل ، وليس ابن عثام بأعلم من جميع
أصحاب أبي حنيفة ولا مثل واحد منهم ، فكيف ينقل عنه مثل هذا ؟ وقد تقدم
الجواب عنه مع غيره .
الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي — صفحة 85
مساهمون: ابن النجار البغدادي
ص٨٥