تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
السماوات والأرض ووصف نفسه بأنه نور كما تقول زيد كرم إذا أردت المبالغة في أنه كريم ، فإن أراد بالنور المدرك بالأبصار ، فمعنى نور السماوات والأرض أنه خلق النور الذي فيهما من الشمس والقمر والنجوم ، أو أنه خلقهما وأخرجهما من العدم إلى الوجود ، فإنما ظهرت به كما تظهر الأشياء بالضوء ، ومن هذا المعنى قرأ عليّ بن أبي طالب : « اللَّه نوّر السماوات والأرض » بفتح النون والواو والراء وتشديد الواو : أي جعل فيهما النور ، وإن أراد بالنور المدرك بالقلوب ، فمعنى نور السماوات والأرض جاعل النور في قلوب أهل السماوات والأرض ولهذا قال ابن عباس : معناه هادي أهل السماوات والأرض . * ( مَثَلُ نُورِه كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) * المشكاة هي الكوة غير النافذة تكون في الحائط ، ويكون المصباح فيها شديد الإضاءة وقيل : المشكاة العمود الذي يكون المصباح على رأسه ، والأوّل أصح وأشهر ، والمعنى صفة نور اللَّه في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح ، على أعظم ما يتصوّره البشر من الإضاءة والإنارة ، وإنما شبه بالمشكاة وإن كان نور اللَّه أعظم ، لأن ذلك غاية ما يدركه الناس من الأنوار ، فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه . وقيل : الضمير في نوره عائد على سيدنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وقيل : على القرآن ، وقيل : على المؤمن ، وهذه الأقوال ضعيفة لأنه لم يتقدم ما يعود عليه الضمير ، فإن قيل : كيف يصح أن يقال اللَّه نور السماوات والأرض فأخبر أنه هو النور ، ثم أضاف النور إليه في قوله : مثل نوره ، والمضاف عين المضاف إليه ؟ فالجواب أن ذلك يصح مع التأويل الذي قدمناه أي اللَّه ذو نور السماوات والأرض ، أو كما تقول : زيد كرم ، ثم تقول : ينعش الناس بكرمه * ( الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ) * المصباح هو الفتيل بناره ، والمعنى أنه في قنديل من زجاج لأن الضوء فيه أزهر ، لأنه جسم شفاف * ( الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) * شبه الزجاجة في إنارتها بكوكب درّي ، وذلك يحتمل معنيين إما أن يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها ، وإما أن يريد أنها في نفسها شديدة الضوء لصفائها ورقة جوهرها ، وهذا أبلغ لاجتماع نورها مع نور المصباح ، والمراد بالكوكب الدرّي أحد الدراري المضيئة : كالمشتري ، والزهرة ، وسهيل ، ونحوها ، وقيل : أراد الزهرة ، ولا دليل على هذا التخصيص ، وقرأ نافع دري بضم الدال وتشديد الياء بغير همزة ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدرّ لبياضه وصفائه ، أو يكون مسهلا من الهمز ، وقرأ [ أبو عمرو والكسائي : درّيء ] وقرأ حمزة وأبو بكر : درّيء بالهمز وكسر الدال بالهمز وضم الدال ، وهو مشتق من الدرء بمعنى الدفع . * ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ) * من قرأ يوقد « 1 » بالياء أو توقّد بالفعل الماضي فالفعل مسند إلى المصباح ، ومن قرأ توقد بالتاء والفعل المضارع فهو مسند إلى الزجاجة ، والمعنى : توقد من زيت شجرة مباركة ، ووصفها بالبركة لكثرة منافعها ، أو لأنها تنبت في
هامش
( 1 ) . قرأ نافع وابن عامر وحفص : يوقد . وحمزة والكسائي : توقد . وقرأ ابن كثير وأبو عمر : توقّد .