تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
وتقوية للتأويل الذي ذكرنا ، وفيه أيضا رد على المعتزلة في قولهم بالأجلين ، ولما كان كذلك قال الزمخشري : إن ظاهر هذا مناقض لما قبله من الوعد بالتأخير إن آمنوا ، وتأول ذلك على مقتضى مذهبه بأن الأجل الذي لا يؤخر هو الأجل الثاني . وذلك أن قوم نوح قضى اللَّه أنهم إن آمنوا عمرهم اللَّه مثلا ألف عام ، وإن لم يؤمنوا عمرهم تسعمائة عام فالألف عام هي التي تؤخر إذا جاءت والتسعمائة عام هي التي وعدوا بالتأخير عنها إلى الألف عام إن أمنوا * ( دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ) * أي دعوتهم ليؤمنوا فتغفر لهم ، فذكر المغفرة التي هي سبب عن الإيمان ليظهر قبح إعراضهم عنه فإنهم أعرضوا عن سعادتهم * ( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) * فعلوا ذلك لئلا يسمعوا كلامه ، فيحتمل أنهم فعلوا ذلك حقيقة أو يكون عبارة عن إفراط إعراضهم حتى كأنهم فعلوا ذلك * ( واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ) * أي جعلوها غشاوة عليهم لئلا يسمعوا كلامه ، أو لئلا يراهم ويحتمل أنهم فعلوا ذلك حقيقة ، أو يكون عبارة عن إعراضهم * ( وأَصَرُّوا ) * أي داوموا على كفرهم * ( دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ) * إعراب جهارا مصدر من المعنى كقولك : قعد القرفصاء ، أو صفة لمصدر محذوف تقديره : دعا جهارا أو مصدر في موضع الحال أي مجاهرا * ( ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ) * ذكر أولا أنه دعاهم بالليل والنهار ، ثم ذكر أنه دعاهم جهارا ، ثم ذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار ، وهذه غاية الجد في النصيحة وتبليغ الرسالة صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم ، قال ابن عطية : الجهاد دعاؤهم في المحافل ومواضع اجتماعهم ، والإسرار دعاء كل واحد على حدته * ( يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) * مفعول من الدرّ وهو كثرة الماء ، وفي الآية دليل على أن الاستغفار يوجب نزول الأمطار ، ولذلك خرج عمر بن الخطاب إلى الاستسقاء فلم يزد على أن استغفر ثم انصرف ، فقيل له ما رأيناك استسقيت فقال واللَّه لقد استسقيت أبلغ الاستسقاء ثم نزل المطر ، وشكا رجل إلى الحسن الجدب فقال له : استغفر اللَّه . * ( ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّه وَقاراً ) * فيه أربع تأويلات : أحدها أن الوقار بمعنى التوقير والكرامة ، فالمعنى : ما لكم لا ترجون أن يوقركم اللَّه في دار ثوابه . قال ذلك الزمخشري . وقوله : للَّه على هذا بيان للموقر ، ولو تأخر لكان صفة لوقارا . والثاني أن الوقار بمعنى التؤدة والتثبت والمعنى ما لكم لا ترجون للَّه وقارا ، متثبتين حتى تتمكنوا من النظر بوقاركم وقوله : للَّه على هذا مفعول دخلت عليه اللام كقولك : ضربت لزيد وإعراب وقارا على هذا مصدر في موضع الحال . الثالث أن الرجاء هنا بمعنى الخوف ، والوقار بمعنى العظمة والسلطان فالمعنى : ما لكم لا تخافون عظمة اللَّه وسلطانه وللَّه على هذا صفة للوقار في