تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
يخبر بالغيوب وذلك معدود في معجزاته ، فالجواب : أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال : إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني اللَّه ، فإن قيل : كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكهان والمنجمين وأشباههم ، بالأمور المغيبة ؟ فالجواب : أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف أو عن وهم لا عن علم ، وإنما اقتضت الآية نفي العلم ، وقد قيل : إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة ، لأن سبب نزولها أنهم سألوا عن ذلك ، ولذلك قال : وما يشعرون أيان يبعثون ، فعلى هذا يندفع السؤال الأول ، والثاني لأن علم الساعة انفرد به اللَّه تعالى لقوله تعالى : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّه ) * ولقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم : في خمس لا يعلمها إلا اللَّه ، ثم قرأ « إن اللَّه عنده علم الساعة » إلى آخر السورة ، فإن قيل : كيف قال : إلا اللَّه بالرفع على البدل والبدل ، لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلا ، ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها واللَّه تعالى ليس ممن في السماوات والأرض باتفاق ؟ فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السماوات والأرض ، والقائلين بنفي الجهة يقولون : إن اللَّه تعالى ليس بهما ولا فوقهما ، ولا داخلا فيهما ، ولا خارجا عنهما ، فهو على هذا استثناء منقطع ، فكان يجب أن يكون منصوبا ؟ فالجواب من أربعة أوجه : الأول أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل ، وإن كان منقطعا كقولهم ما في الدار أحد إلا حمار بالرفع ، والحمار ليس من الأحدين وهذا ضعيف ، لأن القرآن أنزل بلغة الحجاز لا بلغة بني تميم ، والثاني أن اللَّه في السماوات والأرض بعلمه كما قال : « وهو معكم أينما كنتم » يعني بعلمه ، فجاء البدل على هذا المعنى وهذا ضعيف ، لأن قوله : في السماوات والأرض وقعت فيه لفظة في الظرفية الحقيقية ، وهي في حق اللَّه على هذا المعنى للظرفية المجازية ، ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين ، الجواب الثالث أن قوله : من في السماوات والأرض يراد به كل موجود فكأنه قال من في الوجود فيكون الاستثناء على هذا متصلا ، فيصح الرفع على البدل ، وإنما قال من في السماوات والأرض جريا على منهاج كلام العرب فهو لفظ خاص يراد به ما هو أعم منه : الجواب الرابع أن يكون الاستثناء متصلا على أن يتأول من في السماوات في حق اللَّه كما يتأول قوله « أأمنتم من في السماء » وحديث الجارية وشبه ذلك * ( وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) * أي لا يشعرون من في السماوات والأرض متى يبعثون ، لأنّ علم الساعة مما انفرد به اللَّه ، روي أن سبب نزول هذه الآية أن قريشا سألوا النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم متى الساعة ؟ * ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) * وزن ادّارك تفاعل ثم سكنت التاء وأدغمت الدال واجتلبت ألف الوصل ، والمعنى تتابع علمهم بالآخرة وتناهى إلى أن يكفروا بها ، أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها ، وقرئ « 1 » أدرك بهمزة قطع على وزن أفعل ، والمعنى على هذا : يدرك علمهم في الآخرة ، أي يعلمون فيها الحق ، لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق ، فقوله : في
هامش
( 1 ) . قرأ ابن كثير وأبو عمرو : بل أدرك علمهم . بمعنى هل أدرك . وهل بعني الجحد . وقرأ الباقون : « بل ادّارك » أي ما جهلوا في الدنيا علموه في الآخرة .