تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
المبحث الثاني في جواز التقليد لمن له ملكة الاجتهاد لا شك في أن المتيقن في من يجوز له التقليد هو من ليس له ملكة الاستنباط ، كما لا ريب في عدم جواز التقليد لمن استفرغ وسعه واستنبط الحكم من دليله ، فإنه حينئذ عالم بالحكم والوظيفة ، ولا يعمه أدلة التقليد المختصة بمن لا يعلم معالم دينه ، وإنما الكلام فيمن حصل له ملكة الاجتهاد ولم يستنبط الحكم من الأدلة . ففي رسالة شيخنا الأعظم ( قدس سره ) أنه لم ينقل الجواز عن أحد منا ، وإنما حكى عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق والتفصيلات المختلفة ، نعم ، اختار الجواز بعض سادة مشايخنا في مناهله . انتهى . إلا أن المنقول من عبارته عن كتاب قضاء المناهل اختصاص الجواز بالضرورة كضيق الوقت ونحوه . وكيف كان فليس ببعيد أن يقال : إن مقتضى الأدلة جوازه له أيضا ، وذلك أن عمدة أدلة الجواز هو القاعدة العقلائية ، أعني جواز رجوع الجاهل في كل شئ إلى العالم به ، والمجتهد الذي له ملكة الاستنباط ما لم يستنبط الحكم من دليله فهو جاهل بالحكم بالفعل ، فيجوز له الرجوع إلى قول من استنبط الذي هو طريق لرفع جهله ، كما يجوز له الرجوع إلى أدلة الأحكام لذلك ، والعقلاء يجوزون للجاهل من أهل الخبرة أن يترك عملية الاختبار والاجتهاد ويستريح إلى نظر من هو عديله ، ولا يوجبون عليه إيقاع نفسه في كلفة الإجتهاد كما يشاهد في جواز رجوع طبيب مرض إلى من هو مثله ، وهكذا ، فإذا جاز ذلك بعموم هذه القاعدة العقلائية صح دعوى انعقاد الإطلاق للأدلة اللفظية وتجويز التقليد لمثله . وأما الاستدلال لعدم الجواز بأنه لما كان لا مانع من شمول أدلة الأحكام للمجتهد فلا محالة تتنجز الأحكام الواقعية المذكورة فيها في حقه ، ومعه فلا عذر له في ترك امتثالها بالاستناد إلى فتوى غيره ، فإن موردها من لا حجة له على الحكم .
تسديد الأصول — صفحة 549 | الشيخ محمد المؤمن القمي