تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
والأظهر أن يقال بتقديم جانب المالك ، وذلك أن مقتضى سلطنة المالك على الانتفاع بماله جواز حفر البالوعة ، إلا أنه لما كان حفرها يوجب الضرر بالجار فمقتضى عموم " لا ضرر ولا ضرار " حرمته والمنع عنه ، لما عرفت من أن مفاد الحديث مطابقة ، الإخبار بأن الضرر مطلقا منفي في حوزة حكومة أحكام الإسلام ، ولازمه أن يمنع كل أحد عن الإضرار بغيره ، وإلا لتحقق الضرر حتى مع رعاية أحكامه ، فمقتضى العموم حرمة الحفر بما أنه إضرار بالغير ، إلا أن نفس هذا الحكم بالحرمة فيه إلزام بتحمل الضرر على المالك ، كما أن إطلاق الأمر بالوضوء إلزام بتحمل الضرر على من يضره الوضوء ، فعموم لا ضرر يدل على انتفاء هذا الحكم التحريمي ، كما دل على انتفاء ذاك الحكم الإيجابي ، وهو معنى تقديم جانب المالك . إن قلت : إن الضررين كليهما مصداق لعموم حديث " لا ضرر " يحكم عليهما بالانتفاء ، وحيث إن الحكم بانتفاء كليهما غير ممكن ، لاستلزام نفي كل إثبات الآخر ، فيقع بينهما التعارض ويرجع إلى الأصول أو الأدلة المحكومة ، وهي هنا أدلة سلطنة الناس على الانتفاع بأموالهم . قلت : إن مع قطع النظر عن الحديث مقتضى أدلة السلطنة جواز الحفر ، فليس لنا إلا مقتضى هذه الأدلة حينئذ لا غير ، فالحديث لا يعمه ، ويحكم بانتفاء الجواز وجعل الحرمة ، وبعد ملاحظة شمول الحديث له يقتضي الحديث ثبوت الحرمة التي هي موجبة للضرر ، فشمول الحديث للضرر الآتي من ناحية حرمة الحفر متأخر في اللحاظ عن شموله لما يأتي من ناحية جواز الحفر ، ولا يعمهما في عرض واحد . هذا . مضافا إلى أن الارتكاز العرفي هو أن الضرر تمام الملاك للحكم بالانتفاء شرعا ، وحيث إنه موجود في كل من الضررين فعدم إمكان فعلية مفادهما من باب التزاحم الذي يكون الملاكان معه محفوظين ، لا من باب التعارض الذي لا دليل إلا على ملاك أحد المتعارضين .