تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
ثم إن هذا بعد تسليم أن إجراء البراءة مستلزم لثبوت الحكم الآخر ، وأما أنه هل يستلزمه ؟ ومتى وكيف يستلزمه ؟ فهو أمر آخر ، ومحل البحث عنه مبحث الأصل المثبت من مباحث الاستصحاب . الثاني : أن لا يتضرر بإعمالها مسلم ، كما لو فتح إنسان قفص طائر فطار ، أو حبس شاة فمات ولدها ، أو أمسك رجلا فهربت دابته فإن إعمال البراءة فيها يوجب تضرر المالك ، فيحتمل اندراجه في قاعدة الإتلاف وعموم قوله : " لا ضرر ولا ضرار " ، فإن المراد نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع ، وإلا فالضرر غير منفي ، فلا علم حينئذ ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصة ، فلا يتحقق شرط التمسك بالأصل من فقدان النص ، بل يحصل العلم القطعي بتعلق حكم شرعي بالضار ، ولكن لا يعلم أنه مجرد التعزير أو الضمان أو هما معا ، فينبغي له تحصيل العلم بالبراءة ولو بالصلح . أقول : إن عمدة الوجه لاشتراط هذا الشرط عند قائله : هو أن شرط التمسك بالأصل هو إحراز أن مورده فقدان النص ، وبعد احتمال انطباق قاعدة الإتلاف واللا ضرر هاهنا فالشرط غير حاصل ، فإنه لا علم حينئذ ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصة ، فهذا هو الظاهر القريب بالصراحة من كلامه ، فاحتمال أن مبنى كلامه أن من شرط البراءة أن يكون في جريانه امتنان على عموم الأمة ، لا خصوص من تجري في حقه - كما احتمله بعض أعاظم العصر دام ظله - لعله في غير محله . وحينئذ فيرد عليه أولا : أن المانع عن جريان أصل البراءة وغيره من الأصول هو إحراز قيام دليل اجتهادي وطريق معتبر في مورده موافقا كان أو مخالفا لحكومته أو وروده عليه ، ومجرد الاحتمال المقوم للشك غير مانع ، كما لا يخفى . وثانيا : أنه لا خصوصية حينئذ لإيجاب تضرر المسلم ، بل لازم الوجه المذكور أنه كلما احتمل دلالة دليل اجتهادي على حكم المورد فهو خارج عن مجرى البراءة ، لصدق قوله : " فلا علم ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصة ، فلا يتحقق شرط التمسك بالأصل من فقدان النص " فيه . وهو كما ترى .