تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
حكم العقل بتنجز التكاليف الواقعية بمقتضى العلم الإجمالي بها ، فلا يقتضي هذان الوجهان أزيد من هذا التنجيز ، ومعه فلا ريب في حكم العقل بوجوب الاحتياط ، كيلا يقع في عقاب التكاليف المنجزة التي دلنا على تنجزها هذان الوجهان ، وعليه فلا حاجة أصلا إلى دخالة شرعية بإيجاب الاحتياط ، أو نصب طريق شرعي إلى تلك الأحكام . وحينئذ فلا محيص في الجواب إلا القول بإرادة المعنى الأعم الشامل لما كان التكليف منشأ للعسر أو الحرج ولو بضميمة حكم العقل ، ولعله الأظهر ، إذ من تناسب الحكم والموضوع يفهم من أدلتهما عرفا أن الشارع لا يريد شيئا ولا يجعل على المكلف أمرا يوجب عليه العسر والحرج ، فإن الشريعة سهلة سمحاء ، فلا يفرق بين ما كان بنفسه حرجا ، وما كان كذلك بملاحظة حكم العقل في كيفية امتثاله . فبعد ذلك ، ربما يورد عليه : بأن مقتضى أدلة نفي العسر والحرج أن الله تعالى لا يريد ما كان منشأ لهما ، فيرفع أصل التكليف الواقعي ، لا خصوص الاحتياط في بعض أطراف احتماله ، وإذا رفع أصل التكليف فلا يكون وجه لرعاية التكليف في شئ من أطراف احتماله ، فمآل الاستدلال بأدلة نفي العسر والحرج إهمال التكاليف الواقعية ، وعدم وجوب التعرض لامتثالها ، وهو خلاف المقدمة الثالثة . والحق في الجواب أن يقال : إن التكليف والحكم الواقعي هنا ليس حكما واحدا يجب بحكم العقل الأولي الاحتياط في أطراف احتماله ، بل لا ريب أن هنا أحكاما متعددة . ثم إن من المعلوم أنه لو كان في البين تكاليف متعددة يوجب امتثال جميعها عسرا وحرجا ، فإنما يحكم بارتفاع عدة منها بمقدار يرتفع به العسر والحرج ، غاية الأمر أنه لو كان بينها ما يتعين رفعه عند دوران الأمر بينه وبين غيره ، يحكم برفع هذا بخصوصه ، وإلا تخير المكلف بين المعاملة مع كل منها شاء برفعه ، ففي ما نحن فيه لما كان لا يجوز العقل في مقام الامتثال رفع اليد عن التكاليف المظنونة