الصواب ؟ فإنه كان حافظا ، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما
ألقوه عليه من مرة واحدة " .
وكان أبو عبد الله ينفق على الحديث ولا يتكسب به ، ومتواضعا
تواضع الأولياء ، مترفعا ترفع الامراء ، حييا شجاعا ، بلغ من التقوى والورع
ما بلغ ، قيل الاكل جدا ، كثير الاحسان مفرطا في الكرم ، فقيها
محدثا .
قال قتيبة بن سعيد ، أحد شيوخه : " جالست الفقهاء والزهاد والعباد ،
فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل ، وهو في زمانه كعمر في
الصحابة " : وقال أيضا : " لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة لكان
آية " .
وكان الامام مع تفرغه لاشتغال بالحديث يرابط في الثغور ،
ويحرص كل الحرص أن يواصل التدريب على الرماية حتى أجادها وبلغ
في ذلك الغاية ، قال وراقة : " وكان يركب إلى الرمي كثير ، فما أعلم
أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمة الهدف إلا مرتين ، بل كان
يصيب في كل ذلك ولا يسبق " .
وقد يظن ظان ، أن البخاري ، وقد توفر له المال ، وصفاء الذهن ،
وتقدير الشيوخ ، وتبجيل الرفقاء فضلا عن التلاميذ - قد عاش حياة سهلة
ميسرة بعيد عن النداءات التي واجهت غيره ، بعيد عن الصراعات التي
انغمس فيها من آثروا القربى من السلطة والسلطان .
ولكن الشيخ واجه حسد الحاسدين ، وحقد ضعاف النفوس في
كل مكان ارتحل إليه ، فضلا عن تلك الأحقاد التي تولدت في نفوس
بعض الشيوخ تجاه كتب الرجال التي ألفها البخاري ، ولم يقدر هؤلاء
التاريخ الصغير — صفحة 13
مساهمون: البخاري
ص١٣