قال : فلما كانت سنة إحدى وخمسين ، حججت مع والدي ، وكانت وقفة
الجمعة ، وكانت رحلتنا من أول رجب ، فأقمت بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم نحو من شهر
ونصف .
قال والده : ولما توجهنا للرحيل من نوى ، أخذته الحمى ، إلى يوم عرفة قال
ولم يتأوه قط . فلما عدنا إلى نوى ، ونزل إلى دمشق صب الله عليه العلم صبا فلم
يزل يشتغل بالعلم ، ويقتفي آثار أبي إبراهيم إسحاق في العبادة ، من الصلاة
وصيام الدهر والزهد والورع ، فلما توفي شيخه ازداد اشتغاله بالعلم والعمل .
وحج مرة أخرى ، قال ابن العطار . وقال لي شيخنا القاضي أبو المفاخر
محمد بن عبد القادر الأنصاري ، لو أدرك القشيري صاحب الرسالة شيخكم
وشيخه ، لما قدم عليهما في ذكره لمشائخها أحدا ، لما جمع فيهما من العلم
والعمل ، والزهد الورع ، والنطق بالحكمة ، وغير ذلك .
قال : وذكر لي الشيخ قال : كنت أقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ
شرحا ، درسين في الوسيط ودرسا في المهذب ، ودرسا في الجمع بين الصحيحين ،
ودرسا في صحيح مسلم ، ودرسا في اللمع لابن جنى ، ودرسا في إصلاح المنطلق
لابن السكيت في اللغة ودرسا في التصريف ، ودرسا في أصول الفقه ، ودرسا في
أسماء الرجال ، ودرسا في أصول الدين .
وقال : وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح ، عبارة ، وضبط
لغة . قال : وبارك الله لي في وقتي واشتغالي وأعانني عليه و . . قال وخطر لي
الاشتغال بعلم الطب ، فاشتريت القانون وعزمت على الاشتغال بشئ ، ففكرت في
أمري ، ومن أين علي الداخل فألهمني الله تعالى الاشتغال بشئ ، ففكرت في
أمري ، ومن أين دخل على الداخل فألهمني الله تعالى أن سببه اشتغالي بالطب ،
فبعت في الحال الكتاب المذكور ، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بالطب ، فاستنار
قلبي ، ورجع إلى حالي ، وعدت إلى ما كنت عليه أولا .
قال : وكنت مريضا بالمدرسة الرواحية ، فبينما ، أنا في بعض الليالي ، في الصفة
الشرقية منها ، ووالدي وإخوتي وجماعة من أقاربي نائمون إلى جنبي ، إذ نشطني الله
تعالى وعافاني من الحمى ، فاشتاقت نفسي ، إلى الذكر ، فجعلت أسبح ، فبينا أنا
كذلك بين الجهر والاسرار ، إذا شيخ حسن الصورة جميل المنظر ، يتوضأ على حافة
روضة الطالبين — صفحة 55
مساهمون: النووي
ص٥٥