محرر المذهب ومهذبه ، ومحققه ومرتبه ، إمام أهل عصره علما وعبارة ، وسيد
أوانه ورعا وسيادة ، العلم الفرد ، فدونه واسطة الدر والجوهر ، السراج الوهاج فعنده
يخفي الكوكب الأزهر ، عابد العلماء وعالم العبادة ، وزاهد المحققين ومحقق
الزهاد . لم تسمع بعد التابعين بمثله أذن ، ولم ما يدانيه عين ، وجمع له في العلم
والعبادة محكم النوعين . راقب الله في سره وجهره ، ولم يبرح طرفة عين عن امتثال
أمره ، ولم يضيع من عمره ساعة في غير طاعة مولاه ، إلى أن صار قطب عصره ،
وحوى من الفضل ما حواه ، وبلغ ما نواه ، فتشرفت به نواه ، ولم يلف له من ناواه .
وإذا الفتى الله أخلص سره * فعليه منه رداء طيب يظهر
وإذا الفتى جعل الاله مراده * فلذكره عرف ذكي ينشر
أثنى عليه الموافق والمخالف وقبل ، النائي والآلف ، وشاع ثناؤه الحسن
بين المذاهب ، ونشرت له راية مجد تخفق في المشارق والمغارب من سلك منهاجه
أيقن بروضة قطوفها دانية ، ومن تتبع آثاره فهو مع الصالحين في رياض عيونها جارية
ومن لزم أذكاره ومهذب أخلافه ، فالخير فيه مجموع ، ومن استقى من بحره
ظفر بأروى وأصفى ينبوع ، فيه ثبت الله أركان المذهب والقواعد ، وبين مهمات
وليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد
وقال فيه الشيخ تاج الدين السبكي في طبقاته : أستاذ المتأخرين ، وحجة الله
على اللاحقين ، ما رأت الأعين أزهد منه في يقظة ولا منام ، ولا عاينت أكثر اتباعا
منه لطرق السالفين من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، له التصانيف
المفيدة ، والمناقب الحميدة ، والخصال التي جمعت طارف كل فضل وتليده ،
والورع الذي به خرب دنياه وجعل دينه معمورا ، والزهد الذي كان به يحيا سيدا
وحصورا ، هذا إلى قدر في العلم لو أطل على المجرة لما ارتضى شربا في أعطانها ،
أو جاور الجوزاء لما استطاب مقاما في أوطانها ، أو حل في دارة الشمس لأنف من
مجاورة سلطانها ، وطالما فاه بالحق لا تأخذه لومة لائم ، ونادى بحضرة الأسود
الضراغم ، وصدع بدين الله تعالى مقال ذي سريرة ، يخاف يوم تبلى السرائر ، ونطلق
معتصما بالباطن والظاهر ، غير ملتفت إلى الملك الظاهر ، وقبض على دينه والجمر
روضة الطالبين — صفحة 52
مساهمون: النووي
ص٥٢