الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير
ما هو فيه ويتكرر ذلك مرارا ، ويقول الله تعالى : يا ابن آدم ما أغدرك ، ثم
يأذن له في دخول الجنة ( 50 ) .
وأما قوله : فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم فليس هذا
بمانع من صحة الحديث ( 51 ) فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ،
وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة ( 52 ) ويمر المؤمنون عليه
بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ، ومنهم الساعي ومنهم
الماشي ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المكدوش على وجهه في النار ، وليس ما ورد
في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم ( 53 ) ، وأيضا فقد ثبتت السنة بأن
هامش
( 50 ) لا دلالة في هذا الحديث على ما يريد البتة ! ! وهذا حديث آحاد لو كان فيه دلالة على
ما يريد فإنه لا يقوى على معارضة أو نقض الثابت القطعي في كتاب الله تعالى ! ! هذا
مع التنبه إلى أن هذا الحديث هو جزء من حديث الصورة الشاذ الذي تكلمنا على جزء
منه في ( دفع الشبه ) ص ( 157 ) في الكلام على الحديث الخامس هناك .
( 51 ) بل هو مانع منه لقوله سبحانه * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * ولقوله تعالى * ( وما
ربك بظلام للعبيد ) * وقوله تعالى * ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * إلى
غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يفهم المقصود منها من معناها ! !
( 52 ) قضية أن الله تعالى يأمرهم بأن يمشوا على جسر أدق من الشعرة وأحد من السيف قضية
باطلة كما سيتبين ذلك عند الكلام على الصراط في هذا الشرح ! ! ولم يثبت في القرآن
ولا في حديث صحيح أن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف كما تجد ذلك عند
استعراض روايات ( أدق من الشعرة وأحد من السيف ) حيث أوردها الحافظ ابن حجر
في ( الفتح ) ( 11 / 454 ) ولذا قال الدردير في ( شرح الخريدة ) ص ( 54 ) : ( وأنكر القرافي
تبعا لشيخه العز كونه - أي الصراط - أدق من الشعرة وأحد من السيف ) . وكذا أنكر
ذلك الزركشي .
ومن هذا يتبين أن استدلاله هنا غير صحيح زيادة على كون الدليل ضعيف جدا بل
باطل ! !
( 53 ) كيف يكون المرور من فوق النار أطم وأعظم من الدخول فيها ؟ ! ثم إن ما ذكره هنا
هو من حشو الكلام الذي لا فائدة منه بعد معرفة أن دليل ما ذهب إليه من كون وجود
صراط أدق من الشعرة وأحد من السيف غير صحيح ! !