[ فائدة ] : وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى * ( وكلم الله موسى
تكليما ) * لا يدل على جواز سماع الكلام الذاتي النفسي الذي ليس هو حرفا ولا
صوتا والذي هو من صفاته تعالى ، كما لم يدل على ذلك أيضا قوله تعالى * ( ولا
يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ) * ( 151 ) البقرة : 174 ، وذلك لأن قوله تعالى
* ( وكلم الله موسى تكليما ) * معناه أن الله تعالى خلق صوتا في الشجرة خاطب به
سيدنا موسى عليه السلام ، وقد تعين القول بهذا لاستحالة أن يكون الله تعالى
في الشجرة التي كانت في البقعة المباركة لتنزه الله تعالى عن الحلول في الأرض وفي
المكان ، فقول الله تعالى * ( فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة
المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ) * القصص : 30 . لا يدل
على أنه سبحانه كان في الشجرة ولا نستطيع أن نفسر الآية إلا بما قررناه وهو أن
الله تعالى خلق صوتا في الشجرة فخاطبه به .
ولذلك أخطأ قوم من أهل العلم فقالوا : إنه على هذا يكون الكلام هو
هامش
( 151 ) كما تجد ذلك في تفسير الإمام الرازي ( 3 / 29 - 30 ) ، وبذلك نشأ الخلاف بين فرق
الأمة في مسألة الكلام ، فصار فيها ثلاثة مذاهب :
الأول : مذهب المعتزلة والماتريدية : وهو أن الله متكلم ، ومعناه أن تلك الصفة يمتنع
كونها مسموعة وأن المسموع حروف وأصوات مخلوقة . ويمكن أن نفرق بين مذهب
المعتزلة والماتريدية بأن الماتريدية أثبتت صفة نفسية والمعتزلة لم تثبت ذلك فقالت هي
صفة فعل لا صفة ذات .
الثاني : مذهب الأشاعرة وهو : أن الله متكلم ، ومعناه : أن الصفة النفسية المنزهة
عن الحرف والصوت يمكن أن يسمعها الله تعالى من شاء من خلقه .
والثالث : مذهب الكرامية وجمهور الحنابلة القائلون بأن الله متكلم ومعناه أن هذه
الحروف والأصوات هي الكلام القديم النفسي القائم بذات الله تعالى وهو قديم النوع
حادث الأفراد ، وأن هذه الحروف والأصوات غير مخلوقة . تعالى الله عن قولهم علوا
كبيرا .
فأما القول الأول والثاني فيمكن الأخذ بواحد منهما حسبما يترجح ويتبين لكل عالم من
حيث الأدلة بعد إثبات صفة الكلام في الجملة ، والله الموفق والهادي .