وقد بينا فيما تقدم بما لا يدع مجالا للشك أن التأويل ثابت في الكتاب والسنة ،
وهو من نهج السلف الصالح ، ونقلنا في ذلك ما يبرهن إثبات هذا الأمر بوضوح
تام ، وبقيت مسألة التفويض ، ولا شك أن السلف كانوا يفوضون الكيف والمعنى
وهو المراد بالتفويض عند إطلاقه بلا شك .
ومن ذلك قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى عندما سئل عن أحاديث الصفات :
( نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ) رواه عنه الخلال بسند صحيح .
ونصوص أئمة السلف في قولهم أمروها كما جاءت مع عدم الخوض في بيان معناها
أكثر من أن تحصر ، من ذلك ما قاله الإمام الحافظ الترمذي في سننه ( 4 / 692 ) :
( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن
أنس ، وابن المبارك ، وابن عيينة ، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ، ثم
قالوا : تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف . وهذا الذي اختاره أهل
الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ، ولا تفسر ولا تتوهم ، ولا
يقال كيف ، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ) ا ه .
قلت : وقوله ( ولا تفسر ) هي نفس قول بعض أئمة السلف ( قراءتها
تفسيرها ) ، وقوله ( ولا تتوهم ) معناه : يصرف ظاهرها الذي يوهم مشابهة الله
لخلقه مع تفويض المعنى الحقيقي لله تعالى ، وأما الكيف فلا نحتاج لتفويضه لأن
الكيف محال على الله تعالى ، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى : ( ولا يقال
كيف ، وكيف عنه مرفوع ) انظر الفتح ( 13 / 407 ) أي أنه لا كيف لله تعالى وهذا
الذي قررناه هنا ونقلناه عن السلف من تقرير مذهب التأويل ومذهب التفويض
هو عين قول صاحب الجوهرة اللقاني رحمه الله تعالى :
وكل نص أوهم التشبيها * أوله أو فوض ورم تنزيها
لمن تدبر ذلك .
صحيح شرح العقيدة الطحاوية — صفحة 168
مساهمون: حسن بن علي السقاف
ص١٦٨