مرج لم تر عيني مثله ، يرف رفيفا ، يقطر ماؤه ، وفيه من أنواع الكلأ ، فكأني بالرعلة الأولى حين
أشنفوا على المرج كبروا ، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق ، فمنهم المرتع ، ومنهم الآخذ الضغث ،
ومضوا على ذلك ، ثم قدم عظم الناس ، فلما أشفوا على المرج كبروا ، وقالوا : هذا خير المنزل ،
وكأني أنظر
إليهم يميلون يمينا وشمالا ، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج ،
فإذا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات ، وأنت في أعلاها درجة ، وإذا عن يمينك رجل
آدم مسبل أقنى ، إذا هو يتكلم يفرع الرجال طولا وإذا عن يسارك رجل ربعة نار أحمر كثير
خيلان الوجه ، كأنما عمم شعره بالماء ، إذا هو تكلم أصغيتم له إكراما له ، وإذا أمامكم رجل
شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها ، كلكم تؤمونه تريدونه ، وإذا أمامه ناقة عجفاء شارف ، فإذا
بك أنت يا رسول الله ، كأنك تبعثها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما ما رأيت من الطريق السهل
الرحب اللاحب فذاك ما حملتكم عليه من الهدي الذي أنتم عليه ، وأما المرج الذي رأيت
فالدنيا وغضارة عيشتها ، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشئ ولم تتعلق منا ولم نردها
ولم تردنا ، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا ، وهم أكثر أضعافا ، فمنهم المرتع ، ومنهم الآخذ
الضغث ، ونجوا على ذلك ، ثم جاء عظم الناس فمالوا على المرج يمينا وشمالا ، فإنا لله وإنا إليه
راجعون ، وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة ، فلم تزل عليها حتى تلقاني ، وأما المنبر الذي
رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة ، فالدنيا سبعة آلاف سنة ، وأنا في آخرها ألفا ، وأما
الرجل الذي رأيت عن يميني الآدم المسبل فذاك موسى بن عمران عليه السلام ، إذا تكلم يعلو
الرجال بفضل كلام الله تعالى إياه ، والرجل الذي رأيت عن يساري التار والربعة الكثير خيلان
الوجه فذاك عيسى ابن مريم عليهما السلام ، نكرمه لإكرام الله تعالى إياها ، وإن الشيخ الذي
رأيته أشبه الناس بي خلقا ووجها ، فذاك أبي إبراهيم عليه السلام ، كلنا نؤمه ونقتدي به ، وأما
الناقة التي رأيتها ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم ، لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي ) .
تنبيه : في بيان غريب ما سبق :
رحب : براء مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فموحدة : الواسع .
السهل : بسين مهملة مفتوحة فهاء ساكنة فلام هنا : ضد الحزن .
اللاحب : بلام فألف ساكنة فمهملة فموحدة : الواضح .
الجادة : بجيم فألف ، فدال مهملة مفتوحة مشددة ، فتاء تأنيث : السواء والوسط .
المرج : بميم مفتوحة فراء ساكنة فجيم : الموضع ترعى فيه الدواب .
يرف : بتحتية مفتوحة ، فراء مكسورة ، ففاء : كثر ماؤه .
الكلأ : بكاف ، فلام مفتوحتين ، فهمزة مضمومة : العشب ، والنبات رطبة ويابسه .
سبل الهدى والرشاد — صفحة 262
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٢٦٢