تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
وأما إذا فضل بعضهم على بعض ، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك ، رحمهم الله تعالى - أنه مكروه وليس بحرام ، والهبة صحيحة . وقال الإمام أحمد : هو حرام ، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تشهدني على جور ) ، واحتج الشافعي بقوله : ( أشهد على هذا غيري ) . فان قيل : قاله تهديدا ، قلنا : الأصل في كلام الشارع غير هذا ، ويحتمل عند اطلاقه صيغة أفعل على الوجوب أو الندب ، فان تعذر فعلى الإباحة ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا أشهد على جور ) ، فليس فيه أنه حرام ، لان الجور هنا الميل عن الاستواء والاعتدال فكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور ، سواء كان حراما أو مكروها ، وقد وضح بما قدمناه وقوله صلى الله عليه وسل : ( أشهد على هذا غيري ) دليل على أنه ليس بحرام ، فيجب تأويله على أنه مكروه كراهة تنزيه ، قاله النووي في شرح مسلم . تنبيه : لما نقل ابن الملقن هذه الخصوصية عن القضاعي قال : وفي هذا نظر بالنسبة إلى غيره . قال الحضيري : وفي هذا النظر نظر أيضا ، فان ظاهره يقتضي منع الخصوصية في عدم الشهادة على الجور فان غيره من الناس مثله في ذلك ، فلا تجوز الشهادة على الجور مطلقا ، هذا يعني مقتضى كلامه ، وليس بجية فان من الجور ما هو محرم ، فلا تجوز الشهادة عليه ، ومنه مكروه فلا تجوز في حقه صلى الله عليه وسلم ، وتجوز في حق غيره ، كما في هذه القصة ، حيث حملنا ذلك على الكراهة كما في الصحيح ، فإنه سمى ذلك جورا ، وقال : ( أشهد غيري ) ، وهذا ينبني على أمر آخر ، وهو المراد بالشهادة على الجور ، هل هي بحملها أو أدائها ؟ فان قلنا : بحملها ، ففي حقه صلى الله عليه وسلم لا يجوز ذلك ، لأنه لا يقر على باطل ولا مكروه ، وأما غيره ، فالذي يظهر أنه يجوز مطلقا ، سواء كان محرما أو مكروها ، لان الامر دائر بين ظالم ومظلوم ، فتحمل الشهادة على ذلك يحتاج إليها المظلوم في خلاص حقه عند طلبه فلا يمتنع ، ولو كان الظالم لا يحتاجها . وان قلنا : المراد الأداء ، فهي ممتنعة في حقه صلى الله عليه وسلم لأنه هو الحاكم والمشرع ، فلا يمكن ردها عند غيره ، اللهم الا أن يقال : يشهد فيها ليحكم فيها بعلمه ، وهو محل نظر ، وأما غيره فلا يمتنع قطعا . الخامسة والعشرون : وبتحريم الخمر عليه من أول ما بعث قبل أن تحرم على الناس بنحو عشرين سنة ، فلم تبح له قط ، ولم يشربها قط . روى ابن حبان عن عروة بن رويم مرسلا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أول ما نهاني ربي بعد عبادة الأوثان عن شرب الخمر ، وملاحاة الرجال ) .