بوجوده وجه البدر الكالح . وورد منهل الفضل نميرا . وتصدر في مجالس أربابه أميراً . وشحذ مرهف طبعه الباتر . فوشي بنتائجه الطروس والدفاتر . وأذكى نار قريحته وأوقد وأتى من خالص الكلام بما لا يعترض ولا ينقد . ولم تزل ناطقة ببراعته السن الكلام . شاهدة بسبق يراعته الجلة الأعلام .
إلى أن استأثر به الواحد العلام . فأنقضت أيامه كأنها أحلام . وكانت وفاته لثلاث بقين من شهر رمضان المعظم سنة ثمان وسبعين وألف وقد أثبت له ما تستحليه الأذواق . وتباهي بحسنه القلائد والأطواق . فمنه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي ملغزافي محمود .
يا مفرد العصر في جمع العلوم ومن * غدا مثنى المثنى صفوة الرؤسا
عين الأماثل مفقود المماثل مق * صود الأفاضل في تبيين ما التبسا
وكيف لا وهو تاج الدين ناصره * بالقول والفعل محيي منه ما درسا
ما البدر ما البحر ما الدر الثمين سوى * مرآه أو نفعه إن جاد أو درسا
استغر اللّه من هذا الكلام فقد * أخطأت إذ جئت بالتشبيه منعكساً
فهل يشبه بالبدر المصور من * كساه نوراً وأضحى منه مقتبسا
كذلك البحر لولا بسط راحته * ما امتد والدر لولا نظمه بخسا
لا زال خدن المعالي في الأنام على * مر الليالي ومن عين العدا حرسا
ما قوله في معمى حار فيه أولو * الأبصار إذ كان فيه الأمر ملتبسا
وقد رأى ربعك المأهول ذا شرف * فأمّ أبوابه لا الأربع الدرسا
محيل ما حل من أشكاله فعسى * بعد التحلل يبدو منه ما احتبسا
هذا ومن عجب أن المشار له * هو اسم خل ودود تحفة الجلسا
ذي طلعة تخجل الأقمار طالعة * وتترك الكوكب الوضاح منطمساً
رأيته ورأيت الشمس فاشتبها * عليّ حتى توهمت الصباح مسا
وذاك بالمحو والاثبات حيث كسى * منها وألبسها من حسنه وكسا
كم زارني والدجى يربد من حنق * منا فأشعل في ظلمائه قبسا
وكم جلينا عروساً من محاسنه * تلك الليالي فكانت كلها عرساً
وكم لبسنا حرمدان الشطارة في * رد المخالف حتى عاد منتكساً
ومن محاسنه حسن التلاوة بال * صوت الرخيم الذي قد زاده أنساً
سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر — صفحة 51
مساهمون: ابن معصوم المدني
ص٥١