الباب الثاني من المقالة التاسعة ( في الدّفن )
والمراد به دفن ذنوب من يكتب له حتّى لم تر بعد ؛ وفيه فصلان :
الفصل الأوّل في أصله وكونه مأخوذا عن العرب
والأصل فيه ما ذكره في « التعريف » أن العرب إذا جنى أحد منهم جناية ، وأراد المجنيّ عليه العفو عما وقع ، فالتّعويل في الصّفح فيها على الدّفن . قال في « التعريف » : وطريقتهم فيه أن تجتمع أكابر قبيلة الذي يدفن بحضور رجال يثق بهم المدفون له ، ويقوم منهم رجل ، فيقول للمجنيّ عليه : نريد منك الدّفن لفلان ، وهو مقرّ بما أهاجك عليه ؛ ويعدّد ذنوبه التي أخذ بها ولا يبقي منها بقيّة ؛ ويقرّ الذي يدفن ذلك القائل على أن هذا جملة ما نقمه على المدفون له ، ثم يحفر بيده حفيرة في الأرض ، ويقول : قد ألقيت في هذه الحفيرة ذنوب فلان التي نقمتها عليه ، ودفنتها له دفني لهذه الحفيرة ؛ ثم يردّ تراب الحفيرة إليها حتّى يدفنها بيده .
قال : وهو كثير متداول بين العرب ، ولا يطمئنّ خاطر المذنب منهم إلا به ؛ إلا أنه لم تجر للعرب فيه عادة بكتابة ، بل يكتفى بذلك الفعل بمحضر كبار الفريقين ؛ ثم لو كانت دماء أو قتلى عفّيت وعفت بها آثار الطلائب .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 351
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص٣٥١