تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وقد تقدّم الاحتجاج لذلك بقوله تعالى في قصّة بلقيس : * ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ وإِنَّه بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * ( 1 ) وأنه يحتمل أن يكون قوله : * ( إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ ) * حكاية عن قول بلقيس ، ويكون * ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * هو أوّل الكتاب ، فلا يكون في ذلك حجة على تقدّم الاسم على البسملة . وأنه إنما يتّجه الاحتجاج بذلك على القول بأنّ قوله : * ( إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ ) * من كلام سليمان عليه السّلام ، وأنه إنما قدّم اسمه على البسملة وقاية لاسم اللَّه تعالى ، من حيث إنه كان عادة ملوك الكفر أنهم إذا لم يرضوا كتابا مزّقوه أو تفلوا فيه ، فجعل اسمه حالَّا محلّ الوقاية . ولا شكّ أنّ مثل ذلك لا يجيء هنا ، لأن المحذور فيه مفقود ، من حيث إنّ هذه المناشير إنما تلقى إلى المسلمين القائمين بتعظيم البسملة والموفين لها حقّها . وحينئذ فيكون لترك استعمالها وجه ظاهر من جهة الشرع ، بخلاف ما في المكاتبات إلى ملوك الكفر . واعلم أن هذه الطَّغراوات تختلف تركيباتها باعتبار كثرة منتصباتها من الحروف وقلَّتها ، باعتبار كثرة آباء ذلك السلطان وقلَّتهم ؛ ويحتاج واضعها إلى مراعاة ذلك باعتبار قلَّة منتصبات الكلام وكثرتها . فإن كانت قليلة أتي بالمنتصبات كما سيأتي بيانه بقلم جليل مبسوط ، كمختصر الطَّومار ونحوه ، لتملأ على قلَّتها فضاء الورق من قطع الثلثين أو النّصف . وإن كانت كثيرة أتي بالمنتصبات بقلم أدقّ من ذلك ، كجليل الثّلث ونحوه اكتفاء بكثرة المنتصبات عن بسطها . ثم تختلف الحال في طول المنتصبات وقصرها باعتبار قطع الورق : فتكون منتصباتها في قطع النّصف دون منتصباتها في قطع الثلثين . ثم قد اصطلح واضعوها على أن يجعلوا لها هامشا أبيض من كلّ من الجانبين بقدر إصبعين مطبوقين ، وطرّة من أعلى الوصل قدر ثلاثة أصابع مطبوقة . ثم إن كانت في قطع النصف جعلت منتصباتها مع تصوير الحروف بأسفلها
هامش
( 1 ) النمل / 29 - 30 .