تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وقد بدأناك من العطاء بما يكون ببسم اللَّه في صدر الكتاب ، وجعلناه كالغمامة التي تأتي أوّلا بالقطار ثم تأخذ في الانسكاب ؛ وخير العطاء ما ربّ بعد ميلاده ، وأينع ثمره بعد جداده ؛ وإن صادف ذلك وسائل خدم مستأنفة كان لها قرانا ، وصادف الإحسان منه إحسانا ؛ وقد ضمن اللَّه تعالى للشّاكر من عباده مزيدا ، ولم يرض له بأن يكون مبدئا حتّى يكون معيدا ؛ وكذلك دأبه فيمن عرف مواقع نعمه ، وعلم أن صحّتها لا تفارقه ما لم يعدها بسقمه . ونحن أولى من أخذ بهذا الأدب الكريم ، وألزم نفسه أن تتحلَّى بخلقه وإنه للخلق العظيم ؛ وعطاؤنا المنعم به عليك لم يذكر في هذا التوقيع على حكم الامتنان ، بل إثباتا لحساب الجند الذين هم أعوان الدّولة ولا بدّ من إحصاء الأعوان ؛ وهو كذا وكذا . فامدد له يدا تجمع [ مع ] ( 1 ) الشّكر مواظبة ، [ ومع ] ( 2 ) الطَّاعة مراقبة ، وكن في التّأهّب للخدمة كالسّهم الموضوع في وتره ، وأصخ بسمعك وبصرك إلى ما تؤمر به فلا ائتمار لمن لم يصخ بسمعه وبصره . وملاك ذلك كلَّه أن تتكثر من فرسان الغوار ، وحماة الذّمار ، والذين هم زينة سلَّم ومفزع حذار ؛ ومثل هؤلاء لا يضمّهم جيش إلا تقدّمه جيش من الرّعب ، ودارت منه الحرب على قطبها ولا تدور رحّى إلا على قطب ؛ وإذا ساروا خلف رأيتك نشرت ذوائبها على غابة من الآساد ، وخفقت على بحر من الحديد يسير به طود من الجياد . ومن أهمّ الوصايا إليك أن تضيف إلى غنائهم غنى يبرزهم في زهرة من اللَّباس ، ويعينهم على إعداد القوّة ليوم الباس ، ويقصّر لديهم شقّة الأسفار التي تذهب بنزقات الشّماس ، وينقطع دون قطعها طول الأنفاس ؛ وأيّ فائدة في عسكر يأخذ بعد المسرى في حوره ، ولا يزيد صبره بزيادة سفره ، ويكون حافره وخفّه سواء في انتساب كلّ منهما إلى شدّة حجره .
هامش
( 1 ) في الأصل « من » في الموضعين . ( 2 ) في الأصل « من » في الموضعين .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 158 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين