وبعد ، فأحقّ من ماس في أردية الرياسة عطفا ، واستجلى وجوه السعادة من حجب عزّها فأبدت له جمالا ولطفا ؛ واصطفته الدولة القاهرة لمهمّاتها لمّا رأته خير كافل ، وتنقّل في مراتبها السنيّة تنقّل النيّرين في المنازل ( 1 ) .
ولما كان فلان أدام اللَّه رفعته ممن أشارت إليه هذه المناقب الجليلة ، وصارت له إلى كل سؤال نعم الوسيلة ، رسم بالأمر الشريف - لا زال . . .
أن يستقرّ في نظر ثغر الإسكندرية المحروس ويباشر هذا المنصب المبارك بعزماته الماضية ، وهممه العالية ، برأي لا يساهم فيه ولا يشارك : ليصبح هذا الثغر بمباشرته باسما حاليا ، وتعود بهجته له بجميل نظره ثانيا ، وينتصب لتدبير أحواله على عادته ، ويقرّر قواعده بعالي همّته ، ويجتهد في تحصيل أمواله وتحصين ذخائره ، واستخراج زكاته وتنمية متاجره ، ومعاملة التّجار الواردين إليه بالعدل الذي كانوا ألفوه منه ، والرّفق الذي نقلوا أخباره السارّة عنه ؛ فإنهم هدايا البحور ، ودوالبة الثغور ، ومن ألسنتهم يطَّلع على ما تجنّه الصدور ، وإذا بذر لهم حبّ الإحسان نشروا له أجنحة مراكبهم كالطَّيور ؛ وليعتمد معهم ما تضمّنته المراسيم الشريفة المستمرّة الحكم إلى آخر وقت ، ولا يسلك معهم حالة توجب لهم القلق والتّظلَّم والمقت ، وليواصل بالحمول إلى بيت المال المعمور ، وليملأ الخزائن السلطانية من مستعملات الثغر وأمتعته وأصنافه بكل ما تستغني به عن الواصل في البرور والبحور ، وليصرف همّته العالية إلى تدبير أحوال [ المتاجر بهذا الثغر بحيث ترتفع رؤوس أموالها وتنمي ، وتجود سحائب فوائدها وتهمي ، وليراع أحوال ] ( 2 ) المستخدمين في مباشراتهم ، ويكشف عن باطن سيرهم في جهاتهم ، ليتحقّقوا أنه مهيمن عليهم ، وناظر بعين الرأفة إليهم ؛ فتنكفّ يد الخائن منهم عن الخيانة ، وتتحلَّى أنامل الأمين بمحاسن الصّيانة ؛ وليطالع بالمتجدّدات في الثغر المحروس ، ليرد الجواب عليه منا بما يشرح
هامش
( 1 ) لم يذكر خبر المبتدأ . راجع ص 39 من هذا الجزء هامش 2 .
( 2 ) الزيادة مما تقدم في الصفحة 40 من هذا الجزء .