تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
الإخلاص فغدت لكل خير حاوية ولكل يمن جامعة ؛ مع كفاءة جاءت المناصب على قدر ، ومعرفة ما لحظت المصالح بأقرب نظر إلا نمّت الأموال وبدرت البدر ، وخبرة ما اعتبرت فيها محاسن سيرته في مباشرة إلا صغّر خبرها الخبر ، ونزاهة سلكت به في كل ما يليه أحسن المسالك ، وعفّة رفعته من الرتب الديوانية إلى غررها ولا رتبة للتّاج إلا ذلك . ولما كان فلان هو الذي اجتنى من إحسان الدولة القاهرة بالطاعة أفضل الجنى ، وفاز من عوارفها العميمة بجميل المخالصة ما زاد على المنى ، وانتمى من أدوات نفسه إلى كمال المعرفة والعفّة وهما أفخر ما يدّخر للرتب الجليلة وأنفس ما يقتنى ، وعني من أسباب استحقاقه المناصب والرتب بما اقتضى إحسان الدولة القاهرة أن يحتفل بتقديمه وأن يعتنى - فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إليه نظر الدواوين المعمورة ونظر الصّحبة الشريفة . فليباشر ذلك محلَّيا هذه الرتبة بعقود تصرّفه الجميل ، ومجلَّيا في هذه الحلبة بسبق معرفته التي لا تحتاج إلى دليل ، ومبيّنا من نتائج قلمه ما يبرهن على أنه موضع الاختيار ، ومن كوامن اطَّلاعه ما لا يحتاج إلى برهان إلا إذا احتاج إليه النّهار ؛ فلا يزال فرع يراعه في روض المصالح مثمرا ، وليل نقسه في ليل الأعمال مقمرا ، وحسن نظره إلى ما قرب ونأى من المصالح محدقا ، ولسان قلمه لما دقّ وجلّ من أمور الأقاليم محقّقا ، ورسم خطَّه يستقرّ في الدواوين المعمورة مثبتا ، ووسم تحريره لما يجتنى من غروس المصالح منبتا ، ولدرّ أخلاف الأعمال بحسن الاطَّلاع محتلبا ، ولوجوه الأموال ، بإنفاق التوجّه إلى تثميرها إن أقبلت مجتليا وإن أعرضت مختلبا ، فإن الأمور معادن يستثيرها التصرف الجميل ، ومنابت ينمّيها النظر الجليّ والإتقان الجليل ؛ وملاك كلّ أمر تقوى اللَّه تعالى فليجعلها إمامه ، ويتخيّلها في كل وقت أمامه ، واللَّه تعالى يوفّقه بمنّه وكرمه ، والخطَّ الشريف أعلاه اللَّه تعالى أعلاه .